في البحر الغربي سعته ستة فراسخ، وجرية الماء به قوية، ولا يكاد يركد، ويسمى بحر القنطرة، والقنطرة جسر أخضر من (شلش) إلى (آلش) يراه المسافرون إذا سكن البحر، وشلش واللش ما بين (طريف)(١) و (الجزيرة)(٢) وقد كان هذا الجبل تملكه الافرنج منذ سنين ثم أعاده الله إلى الإسلام منذ قريب، وعمره السلطان أبو الحسن المريني واتخذه عتادًا لجنده إذا دخلوا الجزيرة لحرب الكفّار، وقد كان أسكنه طائفة من عسكره. وأخذ الجزيرة الخضراء من السلطان يوسف بن الأحمر - ملك الأندلس - لتكون مستقرًا لجيشه، وأعاضه عنها زروعًا تؤدى إليه ومالًا يؤدى عنه، هكذا حدثني الثقات من بني مرين، والقاضي الفقيه إبراهيم بن أبي سالم.
ثم أخذت الفرنج الجزيرة الخضراء حين قتل أبو مالك بن السلطان المريني وانهزم جيشه بعد النصرة العظمى، وحينئذ زادت الهمم المرينية في تشييد هذا الجبل وتحصينه وتعمير ما عمر منه، والله يحيى هذا الملك لإكمال ما شرع فيه من غزو الفرنج واستعادة ضوال الإسلام منهم، وينصره النصر المؤزر ويفتح عليه الفتح المبين.
وهذا الجبل جبل منيع جدًا يتمكن من حازه من الجزيرة وسبتة وما بينهما، ويلي الجبل الجزيرة الخضراء - المشار إليها - وهي مدينة محكمة كثيرة الزرع والماشية، وبها نهر يعرف بوادي العسل عليه بساتين وأرح وغير ذلك، وبها دار صنعة لإنشاء الحراريق، وهي آخر البلاد البحرية الإسلامية بالأندلس وليس بعدها، وهي بيد النصارى - أعادها الله وقصمهم -.
ومن البلاد الكبار غير البحرية رندة، وهي والجزيرة الخضراء والجبل ومربلة وما والاهم تحت يد صاحب برّ العدوة السلطان أبي الحسن - أحسن الله إليه وأعانه.
وبين رندة والجزيرة الخضراء مسيرة ثلاثة أيام، وهي جبلية كثيرة الفواكه والمياه
(١) مدينة طريف (Tarifa) منسوبة إلى طريف البربري مولى موسى بن نصير. وهو أول قائد للإسلام طرق بلاد الأندلس بعثه إلها موسى قبل طارق في أربعمائة رجل ومائة فارس فنزل بهذا المكان المسمى به في رمضان سنة ٩١ وبعده بعام دخل طارق. (٢) هي مدينة الجزيرة الخضراء (Algesiras) المشهورة في تاريخ الأندلس ينسب إليها جماعة من العلماء الأجلاء. امتلكها الإسبان في سنة ٧٤٣ كما أشار إليها العمري هنا ثم افتكها منهم السلطان محمد الخامس الملقب بالغني بالله من بني نصر بعد حين في عام (٧٧١ هـ/ ١٣٦٩ م) وهدم أسوارها وقلاعها. وبالرغم من ذلك فقد بقي بها انقاض حصن عربي عظيم يقال أن موسى بن نصير أمر بإنشائه في أول الفتح الإسلامي. ولكن: أتي على الكل أمر لا مرد له … حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا