قال: وربما خرج إلى بستان له من أعظم ما تهممت ببنيانه الملوك، واحتفلت بغرسة السلاطين (١)، ويخرج في نحو مائتي فارس من شباب أرباب دولته يعرفون (بالصبيان) يوصلونه إلى البستان ويرجعون، ويبقى وزراؤه نوابًا له وهم ثلاثة: وزير الجند وهو بمثابة الحاجب بمصر، ووزير المال وهو المسمى صاحب الأشغال، ووزير الفضل وهو كاتب السرّ. ومهما تجدد عند كل واحد منهم أمر يطالعه بالمكاتبات بما يتعلق بشغله المنوط به ويجاوبهم بما يراه.
(١) يعلق الأستاذ حسن حسني قائلًا: «كان لبني حفص بستانان يعرف الأول (برأس الطابية) ومكانه قرب تونس معروف. والثاني هو (أبو فهر) كان في الموضع المسمى اليوم بالنّقرة من غابة الجبل الأحمر قرب اريانة - وبهذه المناسبة لا بأس بإيراد ما وصف به العلامة ابن خلدون تلك المعالم الذاهبة - ورب الدار ادرى بما فيها - قال: «واتّخذ المستنصر بخارج حضرته البستان الذاكر الذكر المعروف (بأبي فهر) يشتمل على جنات معروشات وغير معروشات، اغترس فيها من شجرة كل فاكهة من أصناف التين والرمان والنخيل والأعناب وسائر الفواكه وأصناف الشجر، ونضد كل صنف منها في دوحة حتى لقد اغترس من السدر والطلح والشجر البري، وسمى دوحته هذه (بالشعراء)؛ واتّخذ وسطها البساتين والرياضات بالمصانع والحدائق وشجر النور والنزّه من الليم والنارنج والسرو والريحان وشجر الياسمين والخيري والنيلوفر وأمثاله؛ وجعل وسط هذه الرياض روضًا فسيح الساحة وضع فيه للماء حائزًا من عداد البحور جلب إليه الماء في القناة القديمة كانت ما بين عيون زغوان وقرطاجنة حتى تنبعت من فوهة عظيمة إلى صهريج عميق المهوى رصيف البناء متباعد الأقطار مربع الفنا مجلل بالكلس فيفهق حوضه وتضطرب أمواجه تتطرفه الحظايا عن السعي بشاطيه لبعد مداه، فيركبن في الجواري المنشآت تبعه فيتباري بهن تباري الفتح. ومثلت بطرفي هذا الصهريج قبتان متقابلتان كبرى وصغرى على أعمدة المرمر مشيدة جوانبها بالرخام المنضد ورفعت سقفها من الخشب المقدر بالصنائع المحكمة والأشكال المنمقة إلى ما اشتملت عليه هذه الرياض من المقاصير والأواوين والحوائز والقصور غرفًا من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار. «ثم وصل المستنصر ما بين قصوره ورياض رأس الطابية بحائطين ممتدين يجوزان عرض العشرة أذرع أو نحوها طريقًا سالكًا ما بينهما. وعلى ارتفاع عشرة أذرع يحتجب به الحرم في خروجهن إلى تلك البساتين حتى لا تقع العيون عليهن؛ فكان ذلك مصنعًا فخيمًا وأثرًا على أيام الدولة خالدًا» (العبر ١/ ٤١٢ طبعة الجزائر). وزيادة على القصرين المتقدمين انشأ المتأخرون من الأمراء الحفصيين - في القرن التاسع - قصورًا بديعة محفوفة بالبساتين والرياض مثل قصر (العبدلية) بالمرسى وقد بقيت آثاره إلى الآن، وقصر (باردو) الذي سكنه بعدهم المراديون والحسينيون».