ويملي عليهم وزير الفضل ما أمر بكتابته ويعلم عليه وزير الفضل بخطه، والعلامة هي أن يكتب بعد «بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله» اسم السلطان. وفي ذلك المجلس يستدعي السلطان من شاء من العلماء والفضلاء ويتحاضرون محاضرة خفيفة، وإن كان وزير الفضل قد رفع قصيدة لشاعر وافد أو مرتب في معنى استجد، أمر السلطان بقراءتها عليه إن لم يأمر بحضور الشاعر فينشدها قائما أو قاعدا على ما يؤهل له، ويتكلم السلطان مع وزير الفضل ومن يحضر في ذلك ويوقع على كل قصيدة بما يراه (١).
قال ابن سعيد: وقواعد الشعراء أن ينشدوا بين يديه في الأعياد والخروج إلى الأسفار أو القدوم منها.
قلت: ومواضع مما ذكره ابن سعيد قد تقدم شيء منها، وإنما ذكرناه هنا لاتصاله شيئا بشيء، وليؤكد بعضه بعضا، وليعلم في بعض ما بينهما مقدار التفاوت مما تغير مع قرب الزمان، واقتفاء الولد آثار الوالد، وكيف يكون مقدار التفاوت في ما تغير بدخول دول الأعداء بعد الأعداء وبعد الزمان.
[[لطف أهل إفريقية:]]
قلت: وهؤلاء ملوك الموحدين لم يزالوا منذ ملكوا ممدوحين، تصغى إلى المديح مسامعهم، وتهتز به أنديتهم ومجامعهم، ومنهم من له النظم الفائق، والنثر الفائق.
ولأهل إفريقية لطف أخلاق وشمائل بالنسبة إلى أهل بر العدوة وسائر بلاد المغرب، وما ذاك إلا بمجاورتهم لمصر وقربهم من أهلها ومخالطتهم لهم ولمن سكنها
(١) كان أبو زكرياء يحيى الأكبر يجلس كل يوم في مجلس مخصوص ويحضر الأمراء والجند والوافدون، ولا يأنف أن يتكلم في جليل الأمور وحقيرها، ثم يطعم الناس فإذا حضر وزير الأموال انقلب إلى مكان آخر مع من يشرفه بالحضور من الفضلاء من فقيه وأديب ومنجم وطبيب، فإذا فرغ من هؤلاء دخل إلى داره واستراح إلى أذان العصر، فيخرج إلى موضع آخر غير الموضعين الأولين يتفقد فيه الأمور الخاصة بقصره، فإذا أذن المغرب دخل إلى ما هناه الله به من اللذات. ولم يقطع صلاة الجمعة في الجامع ولا يخل بها، ويجلس يوم السبت في القبة العظمى وحوله أقاربه وشيوخ دولته على مراتبهم وتقرأ عليه المظالم بحضرة القاضي وغيره ويجزم الحكم ويفصله، ويرفع إليه الشعراء قصائد فيوقع عليها بما يراه، وله في ذلك أخبار ظريفة (فوات الوفيات ٢/ ٦٣٣).