ويجلس بين يديه، ويسأله السلطان عما يتعلق بأمور الجند والحروب، ثم يأمره باستدعاء من يريده من أشياخ الجند أو العرب أو من له تعلق بوزير الجند، ثم يأمر باستدعاء وزير المال - وهو المعروف بصاحب الأشغال - فيأتي معه ويُسلمَان جميعًا من بعد على السلطان وإن كان قد تقدم سلام وزير الجند ولكنه عادة الدخول إليه، فيتقدم وزير المال إلى بين يدي السلطان، ويتأخر وزير الجند إلى مكان لا يسمع فيه حديثهما، ثم يخرج وزير المال ويستدعي من يتعلق به، ثم يحضر صاحب الطعام بطعام الجند ويعرضه على وزيرهم لئلا يكون فيه تقصير، ثم يقوم السلطان من المدرسة إلى موضع مخصوص، ويستدعي وزير الفضل - يعني كاتب السر - ويسأله عن الكتب الواردة من البلاد، وعما تحتاج إليه خزانة الكتب (١) وعما تجدد في الحضرة وفي البلاد مما يتعلق بأرباب العلم وسائر فنون الفضل والقضاة (٢)، ويأمره باستدعاء من يخصه من الكتاب،
(١) هذه المكتبة المعتبرة كانت بداخل القصبة حيث بلاط أمراء بني حفص الرسمي. وأول من ابتدأ في جمعها السلطان أبي زكرياء الأكبر - ولا نعلم من خبرهما إلا ما ذكره أبو محمد عبد الله التجاني في رحلته عندما ترجم للحسن بن معمر الهواري الطرابلسي فإنه قال ما مفاده: أن الحسن هذا تولى في مدة أبي زكرياء الأول خطة العلامة الكبرى والنظر في خزانة الكتب التي بالقصبة، ثم إن الخليفة المستنصر بالله غير عليه فنفاه إلى المهدية سنة ٦٦٧، وبعد حين وقع الرضاء عنه فسرح وعاد إلى تونس. ولما مات المستنصر وبويع لولده الواثق استدعى الحسن بن معمر وأمره بالنظر في خزانة الكتب وذلك سنة ٦٧٥. وسئل عنها الحسن حين كانت لنظره أولًا فذكر أنها كانت ثلاثين ألف سفرًا وآخر عنها ثم أعيد إليها فوجدها نحو العشرين ألف سفر وأنه اختبرها هذه المرة (يعني سنة ٧٧٥) فوجدها تنقص عن ستة آلاف سفر؛ فسئل عن موجب ذلك فقال: - المطر وأيدي البشر -: (رحلة التجاني. خط). وذكر ابن أبي دينار: أن الكتب التي جمعها أبو زكرياء الأول في خزينة قصره بلغت ستة وثلاثين ألف مجلد (المؤنس ص ١٢٧). وقد كان من شأن هذه المكتبة أن أحد سلاطين بني حفص - وهو زكرياء بن اللحياني - لما رأى اضطراب ملكه وظهر له خروج الأمر من يده جمع كل النفائس الموجودة بمودعاتهم - ومن جملتها الكتب - فباعها في سنة ٧١٧ وقصد الحج. قال الزركشي: وباع جميع الذخائر التي كانت في القصبة حتى الكتب التي كان الأمير أبو زكرياء الأكبر جمعها واستجاد أصولها ونسخ دواوينها أخرجت للكتبيين فبيعت بدكاكينهم (تاريخ الدولتين ص ٥١) ثم جددت خزانة الحفصية بعد ذلك كما أشار إليه العمري هنا حتى جاء الأمير أبو عمرو عثمان الحفصي - في القرن التاسع - وأوقف قسمًا كبيرًا منها على خزانة جامع الزيتونة العامر حسبما هو مبسوط في المطولات التاريخية. (٢) ومما يؤيد هذا ما نقله الزركشي قال: وقد جرت عادة قضاة تونس وفقهاؤها بوصولهم يوم السبت بمجلس الخليفة للسلام عليه. فيجلس كل صنف منهم مع صنفه في بيوت أعدت لهم إلى أن يخرج الخليفة (تاريخ الدولتين ص ٤٤).