من ساقية زغوان من جبل بعده يوما من تونس، ويدخل القصبة منه فرع، وليس لأهل تونس شرب إلا من الآبار، أحدهما (بئر طبيان) وبالبيوت صهاريج تجمع مياه الأمطار لغسل القماش وغير ذلك.
[[التعريف ببجاية:]]
وأما (بجاية) فهي مدينة قديمة مسورة أضيف إلى جانبها ربض أدير عليه سور ضام لنطاق المدينة فصارا به كالشيء الواحد، والربض في وِطاءة، والمدينة القديمة المتصلة به في سفح جبل، يدخل إليها جون من البحر الشامي يعبر بالمركب إليها، وبها عينان اثنتان من الماء، أحداهما كبيرة منها شرب أهل البلد، ولها نهر جار على نحو ميلين منها تحف به البساتين ليس إلا أن يَصُبَّ في البحر الشامي، وبضيفتيه للسلطان بستانان متقابلان شرقًا وغربًا: الشرقي يسمى (الرفيع) والغربي يسمى (البديع) هما مكان فرجته ومحل نزهته، وفيهما يقول محمد بن محمد المكودي الفاسي بديها حين راهما:[من الكامل]
وهي ثانية تونس في الرتبة والحال، وجميع المعاملات والموجودات والأحوال.
ولبجاية حصانة عظيمة ومنعة، ولها رفق كثير بمدخل السفن إليها من البحر.
وبقية مدن إفريقية جميعها ممنعة ممدنة ذوات جوامع، ومساجد، وحمامات، وطواحين، وأسواق، وديارات سرية، لكنها عاطلة من حلى البر والمعروف لا يكاد يوجد بها مدرسة ولاخانقاه ولازاوية ولارِبَاط ولا مارستانات إلا فاس ومراكش وإن لم يبلغا أدنى رتب أمثالهما ولا تعلقا بأذيالها، على أن الذي بمراكش أجود وسيأتي ذكرهما في موضعه.
[[جلوس السلطان للمظالم:]]
وحدثني أقضى القضاة أبو الروح عيسى الزواوي: أن أبواب ملوك إفريقية كبيرة، فإذا جلس سلطانها جلس حوله ثلاثة للرأي والمشورة، ويجلس دونهم عشرة من أكابر أشياخه، وقد يكون هؤلاء الثلاثة من العشرة المذكورين، وبعد هؤلاء خمسون نفرًا، فإذا أمر السلطان بأمر بلغه وزير الجند لآخر واقف وراءه ويبلغه الآخر لآخر إلى أن يسمع الأمر السلطاني من خارج الباب لنقل أناس كما ذكرنا، ويقف جماعة تسمى بالواقفين بأيديهم السيوف حوله وهم دون الخمسين المذكورين في الرتبة.