للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وكتبت، فأخذ ما كتبته فكشطه، فقلتُ له: فماذا ترى؟ فقال: أنا لا أقول بالرأي، أريد أبصر الحديث، فقلتُ: خَلَّني أكتب أنك متوقف، فكأنه قال: التوقف يستدعي حضور الدليلين من غير ترجيح لأحدهما على الآخر، وأنا إلى الآن لم أنظر المسألة حق النظر، وأشار إلى أنه لا يُنسب إليه فيها شيء؛ لعدم استيفاء النظر، كذا فهمتُ عنه، واستيقظتُ، ومكثت أياما أتعجب من قوله: لا يُنسب إليَّ التوقف، مع كونه متوقفا، ثم تذكرتُ ما كان يفيده (١) عن الشافعي أنه نص على أنَّ العالم لا يقول في مسألة: لا أعلم، حتى يُجهد نفسه في النظر فيها ثم يقف، كما أنه لا يقول: أعلم ويذكر ما علمه حتى يُجهد نفسه ويعلم.

وكان يقول في توجيه ذلك: «إنَّ العالم ليس كالعامي، فقوله: لا أعلم، يُهَوّن أمر المسألة، ويُطَمِّعُ السائل في الإقدام، مع كونها قد تكون منصوصة الحكم، وأيضًا فالعالم مأمور بالنظر ليتعلم ويُعلّم، فليس قوله: «لا أعلم» من الدين في شيء حتى تقف عنده مقتضيات العلم بعد سَبْرِها».

ولا شك أنَّ هذا محمول على مَنْ يُطلق «لا أعلم» إطلاقا، أما من يقيد كلامه بما يُعرف منه المعنى، فما أظنُّه يمتنع عليه قولُها.

ويقرب من مسألة النفي أني لما وَلِيتُ الخطابة والإمامة بجامع بني أمية صرتُ أصلي ليلة الجمعة في صلاة العشاء بـ «الجمعة» و «المنافقين»؛ للحديث الوارد في (صحيح ابن حبان)، بلغني أنَّ متكلّما تكلم في ذلك لكونه ليس في «الرافعي»، فعَرَّفتُ المُبَلِّغَ أَنَّ في ذلك حديثاً صحيحاً، وأنَّ صاحب «المهذب»


(١) في ظ ٢، ص، ق، س: (يقيده).

<<  <   >  >>