وقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ أي: من حبل، أو حيض. قاله ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، والشعبي، والحكم بن عُتَيبَة، والربيع بن أنس، والضحاك وغير واحد.
وقوله: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ تهديد لهن على قول خلاف الحق، ودل هذا على أن المرجع في هذا إليهن؛ لأنه أمر لا يعلم إلا من جهتهن، ويتعذر [١] إقامة البينة غالبًا على ذلك، فرد الأمر إليهن وتُوُعِّدْنَ فيه، لئلا تخبر [٢] بغير الحق، إما استعجالًا منها لانقضاء العدة، أو رغبة منها في تطويلها، لما لها في ذلك من المقاصد، فأمرت أن تخبر بالحق في ذلك من غير زيادة ولا نقصان.
وقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ أي: و [٣] زوجها الذي طلقها أحق بردتها [٤] ما دامت في عدتها، إذا كان مراده بردتها [٥] الإِصلاح والخير. وهذا في الرجعيات، فأما المطلقات البوائن فلم يكن حال نزول هذه الآية مطقة بائن، وإنما صار ذلك لما حصروا في الطلقات الثلاث، فأما حال نزول هذه الآية فكان الرجل أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة، فلما قصروا في الآية التي بعدها على ثلاث طلقات [٦]، صار للناس مطلقة بائن وغير بائن. وإذا تأملت هذا تبين لك ضعف [٧] ما سلكه بعض الأصوليين، من استشهادهم على مسألة عود الضمير هل يكون مخصصًا [٨] لما تقدمه من لفظ العموم أم لا؟ -: بهذه الآية الكريمة، فإن التمثيل بها غير مطابق [٩] لما ذكروه، واللَّه أعلم.
وقوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: ولهنّ على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن، فليؤدِّ كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف، كما ثبت في صحيح مسلم (١٣٥٤)، عن جابر، أن رسول اللَّه، ﷺ، قال في خطبته في حجة الوداع:"فاتقوا اللَّه في النساء، فإنكم أخذتموهنّ بأمان [١٠] اللَّه، واستحللتم فروجهنّ بكلمة اللَّه، ولكم عليهنّ ألَّا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهنّ ضربًا غير مرح، ولهنّ رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف".
(١٣٥٤) - صحيح مسلم كتاب الحج، حديث (١٢١٨)، وهو جزء من حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي ﷺ وقد تقدم.