للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقد استدل بهذا الحديث على مذهب [١] من يرى أن [٢] السعي بين الصفا والمروة ركن في الحج، كما هو مذهب الشافعي، ومن وافقه، [ورواية عن أحمد، وهو المشهور عن مالك] [٣]. وقيل: إنّه واجب وليس بركن. [فإن تركه عمدًا أو سهوًا جبره بدم، وهو رواية عن أحمد وبه يقول طائفة] [٤]. وقيل: بل مستحب [وإليه ذهب أبو حنيفة والثوري والشعبي وابن سيرين، وروي عن أنس وابن عمر وابن عباس، وحكي عن مالك في العتبية. قال القرطبي: واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيرًا﴾] [٥]. والقول الأول أرجح، لأنه طاف بينهما وقال: "لتأخذوا عني مناسككم"، فكل ما فعله في حجمه تلك واجب لا بد من فعله في الحج، إلا ما خرج بدليل، والله أعلم.

[وقد تقدم قوله "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي"] [٦]، فقد بيّن الله تعالى أن الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله، أي: مما شرع الله تعالى لإبراهيم الخليل في مناسك الحج، وقد تقدم في حديث ابن عباس أن أصل ذلك مأخوذ من تطواف [٧] هاجر وتَرْدادها بين الصفا والمروة في طلب الماء لولدها لما نَفَد ماؤهما وزادهما، حين تركهما إبراهيم هنالك، وليس [٨] عندهما أحد من الناس، فلما خافت على ولدها الضيعة هنالك، ونفد ما عندهما قامت تطلب الغوث من الله ﷿ فلم تزل تتردد في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والروة متذللة خائفة وجلة مضطرة فقيرة إلى الله ﷿، حتى كشف الله كربتها، وآنس غربتها، وفرج شدتها، وأتبع لها زمزم التي ماؤها "طعام طُعم، وشفاء سُقم"، فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذُله وحاجته إلى الله في هداية قلبه، وصلاح حاله، وغفران ذنبه، وأن يلتجئ إلى الله ﷿ ليزيح ما هو به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط [٩] المستقيم، وأن يثبته عليه إلى مماته، وأن يحوله من حاله الذي هو عليه من الذنوب والمعاصي إلى حال الكمال والغفران والسداد والاستقامة، كما فعل بهاجر، .

[وقوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيرًا﴾ قيل: زاد في طوافه بينهما على قدر الواجب؛ ثامنة وتاسعة ونحو ذلك.

وقيل: يطوف بينهما في حجة تطوع أو عمرة تطوع. وقيل: المراد تطوع خيرًا في سائر


[١]- في ز: "من يذهب".
[٢]- سقط من: ز.
[٣]- ما بين المعكوفتين سفط من: ز، خ.
[٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[٥]- ما بين المعكوكمبن سفط من: ز، خ.
[٦]- ما بين المعكوفتين سفط من: ز، خ.
[٧]- في ت: "طواف".
[٨]- في ز، خ: "ليس".
[٩]- في ز: "صراطه".