للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

(قلت): ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾.

وقال سعيد بن جبير: الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب منه، واحتسابه عند الله رجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو متجلد لا هي منه إلَّا الصبر.

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ يخبر تعالى أن الشهداء في برزخهم أحياء يرزقون، كما جاء في صحيح مسلم (٨٩٦): " أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنَّة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، فاطلع عليهم ربك اطِّلاعَةً، فقال: ماذا تبغون؟ فقالوا: يا ربنا! وأي شيء نبغي وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟ ثم عاد إليهم بمثل هذا، فلما رأوا أنهم لا يتركون من أن يسألوا، قالوا: نريد أن تردّنا إلى الدار الدنيا، فنقاتل في سبيلك، حتَّى نقتل فيك مرة أخرى -لما يرون من ثواب الشهادة- فيقول الرب : إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون".

وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد (٨٩٧)، عن الإمام الشَّافعي، عن الإمام مالك، عن الزُّهْريّ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه قال: قال رسول الله : "نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة، حتَّى ورجعه اللَّه إلى جسده يوم يبعثه".

ففيه دلالة لعموم المؤمنين أيضًا، وإن كان الشهداء قد خصصوا بالذكر في القرآن تشريفًا لهم، وتكريمًا، وتعظيمًا.

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)


(٨٩٦) - صحيح مسلم، كتاب الإمارة، رقم ١٢١ - (١٨٨٧) من حديث ابن مسعود وساقه ابن كثير رحمه الله تعالى بمعناه.
(٨٩٧) - المسند ١٥٨٢٠ - (٣/ ٤٥٥) و ١٥٨١٨، ١٥٨١٩. والحديث أخرجه النَّسائي في كتاب الجنائز، باب: أرواح المؤمنين عن قتيبة ٢٠٧٣ - (٤/ ١٠٨). وابن ماجة عن سويد بن سعيد (٢/ ١٤٢٨) حديث (٤٢٧١). كلاهما عن مالك به. وسيأتي عند تفسير (آية ١٦٩ آل عمران) وسيأتي قول الحافظ ابن كثير : وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة.