وقال ابن مسعود: الجنة سجسج كما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
وقد تقدمت الآيات كقوله: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ وقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ وقوله: ﴿فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾، قال الثوري:[يعني][١] يجري في غير أخدود.
وقد تقدم الكلام عند [٢] تفسير قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيرِ آسِنٍ … ﴾. الآية. بما أغنى عن إعادته هاهنا.
وقوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾. أي: وعندهم من الفواكه الكثيرة المتنوعة في الألوان ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾. أي: يشبه الشكلُ الشكلَ، ولكن الطعمَ غيرُ الطعم. وفي الصحيحين في ذكر سدرة المنتهى قال:"فإذا ورقها كآذان الفيلة، ونبقها [٣] مثل قلال هجر"(٥٣). وفيهما أيضًا، من حديث مالك، عن زيد، عن عطاء بن يَسَار، عن ابن عباس قال: خُسفَت الشمس، فصلى رسولُ الله ﷺ والناس معه، فذكر الصلاة. وفيه:"قالوا: يا رسول الله؛ رأيناك تناولت شيئًا في مقامك هذا ثم رأيناك تكعكعت (*)! قال: إني رأيت الجنة، فتناولت فها عنقودًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا"(٥٤).
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا عبيد الله، حدثنا ابن عقيل، عن جابر قال: بينا نحن في صلاة الظهر، إذ تقدم رسول الله ﷺ فتقدمنا معه، ثم تناول شيئًا ليأخذه ثم تأخر، فلما قضى الصلاة قال له أبيّ بن كعب: يا رسول الله، صنعتَ اليومَ في الصلاة شيئًا ما كنت تصنعه! قال: "إنه عُرضَتْ علي الجنة، وما فيها من الزهرة والنضرة، فتناولت منها قِطفًا من عنب لآتيكم به، فحيل
(٥٣) - تقدم تخريجه في أول سورة الإسراء في أحاديث المعراج. (*) أي أحجمت وتراجعت إلى الوراء. (النهاية ٤/ ١٨٠) (٥٤) - أخرجه البخاري في كتاب: الأذان، باب: رفع البصر إلى الإمام في الصلاة، حديث (٧٤٨) (٢/ ٢٣٢). ومسلم في كتاب: الكسوف، باب: ما عرض على النبي ﷺ في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار، حديث (١٧/ ٩٠٧ م) (٦/ ٣٠٢).