للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بالرخاء والعافية والخصب، فجبريل عدونا، فقال الله تعالى: [﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾. الآية.

وأما تفسير الآية فقوله تعالى] [١]: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: من عادى جبريل، فليعلم أنه الروح الأمين الذي نزل بالذكر الحكيم، على قلبك من الله بإذنه له في ذلك، فهو رسول من رسل الله مَلكي، ومن عادى رسولًا، فقد عادى جميع الرسل، [كما أنّ من آمن برسول، فإنه يلزمه الإيمان بجميع الرسل] [٢]، وكما أنّ من كفر برسول فإنه يلزمه الكفر بجميع الرسل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَينَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَينَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾. الآيتين. فحكم عليهم بالكفر المحقق إذ آمنوا ببعض الرسل، وكفروا ببعضهم، وكذلك من عادى جبريل فإنه عدوّ لله؛ لأن جبريل لا ينزل بالأمر من تلقاء نفسه، وإنما ينزل بأمر ربه، كما قال: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَينَ أَيدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَينَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾.

وقد روى البخاري في صحيحه (٥٦٧)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : "من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالحرب"، ولهذا غضب الله لجبريل على من عاداه، فقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ﴾ أي: من الكتب المتقدّمة ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ هدى لقلوبهم، وبشرى لهم بالجنة، وليس ذلك إلا للمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. الآية. وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلا خَسَارًا﴾. الآية.

ثم قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾. يقول تعالى: من عاداني وملائكتي ورسلي- ورسله تشمل [٣] رسله من الملائكة والبشر كما قال تعالى: ﴿[] [٤] اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾.

﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال [٥]﴾ وهذا من باب عطف الخاص على العام، فإنهما دخلا في الملائكة، ثم عموم الرسل، ثم خُصِّصَا [٦] بالذكر، لأن السياق في الانتصار لجبريل، وهو السفير


(٥٦٧) - صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب: التواضع برقم (٦٥٠٢).