ثم قال: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾، وهذا إنكار عليهم غاية الإنكار. ثم ذكر تمام الإنكار فقال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي: إذا بشر أحد هؤلاء بما جعلوه لله من البنات يأنف من ذلك غاية الأنفة، وتعلوه كآبة من سوء ما بُشِّر بِه، ويتوارى من القوم من خَجَله من ذلك، يقول تعالى: فكيف تأنفون أنتم من ذلك، وتنسبونه إلى الله ﷿؟!
ثم قال: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيرُ مُبِينٍ﴾ أي: المرأة ناقصة يكمل نقصها بلبس الحلي منذ تكون طفلة، وإذا [خاصمت فلا عبارة][١] لها، بل هي عاجزة عَييَّة، أو من يكون هكذا ينسب إلى جناب الله ﷿؟! فالأنثى ناقصة الظاهر والباطن، في الصورة والمعنى، فيكمل نقص ظاهرها وصورتها بلبس الحلي وما في معناه، ليجبر ما فيها من نقص، كما قال بعض شعراء العرب:
وَأمَّا إذَا كَانَ الجَمَالُ مُوَفَّرًا … كَحُسْنك لَم يَحْتَجْ إلى أن يُزوَّرا
وأما نقص معناها فإنها ضعيفة عاجزة عن الانتصار عند الانتصار، لا عبارة لها ولا همة، كما قال بعض العرب وقد بُشِّر ببنت:"ما هي بنعم الولد: نصرها بكاء [٢]، وبرها سرقة [٣] ".
وقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ أي: اعتقدوا فيهم ذلك، فأنكر عليهم تعالى قولهم ذلك، فقال: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ أي: شاهدوه وقد خَلقهم الله إناثًا؟! ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾ أي: بذلك، ﴿وَيُسْأَلُونَ﴾ عن ذلك يوم القيامة. وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد.
﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ أي: لو أراد الله لحال بيننا وبين عبادة هذه الأصنام، التي هي على صور الملائكة التي هي بنات الله، فإنه [٤] عالم بذلك وهو يقررنا عليه، فجمعوا بين أنواع كثيرة من الخطأ: أحدها: جعلهم [٥] لله ولدًا تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوًّا كبيرًا.
الثاني: دعواهم أنه اصطفى البنات على البنين، فجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا.
الثالث: عبادتهم لهم مع ذلك كله، بلا دليل ولا برهان، ولا إذن من الله ﷿، بل
[١]- في ز، خ: "حاضت فلا عبادة". [٢]- في ت: "بالبكاء". [٣]- في ز: "لسرقة"، خ: "تسرق". [٤]- في ز، خ: "إنه". [٥]- في ت: "جعلوهم".