﴿كَافِرُونَ﴾ أي: لا نتبعكم وأنتم بشر مثلنا. قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بغوا وعَتَوا وعَصَوا، ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ أي: مَنّوا بشدة تركيبهم وقواهم، واعتقدوا أنهم يمتنعون بها من بأس الله! ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أي: أفما يتفكرون فيمن يبارزون بالعداوة؟ فإنه العظيم الذي خلق الأشياء وركب فيها قواها الحاملة لها، وإن بطشه شديد، كما قال تعالى: ﴿والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون﴾، فبارزوا الجبار بالعداوة، وجحدوا بآياته وعصوا رسوله، فلهذا قال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾، قال بعضهم: وهي الشديدة الهبوب. وقيل: الباردة. وقيل: هي التي لها صوت.
والحق: أنها متصفة بجميع ذلك، فإنها كانت ريحًا شديدة قوية؛ لتكون عقوبتهم من جنس ما اغتروا به من قواهم، وكانت باردة شديدة البرد جدًّا [كقوله تعالى: ﴿بريح صرصر عاتية﴾ أي: باردة شديدة][١] وكانت ذات صوت مزعج، ومنه سمى النهر المشهور ببلاد المشرق "صرصر" لقوة صوت جريه.
وقوله: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ أي: متتابعات، ﴿سبع ليال وثمانية أيام حسومًا﴾ كقوله: ﴿في يوم نحس مستمر﴾ أي: ابتُدِئوا بهذا العذاب في يوم نحس عليهم، واستمر بهم هذا النحس سبع ليال وثمانية أيام، حتى أبادهم عن آخرهم، واتصل بهم خزي الدنيا بعذاب الآخرة، ولهذا قال تعالى: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى﴾ أي: أشد خزيًا لهم [٢]. ﴿وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ أي: في الأخرى كما لم ينصروا في الدنيا، وما كان لهم من الله من واق يقيهم العذاب ويدرأ [٣] عنهم النكال.
وقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾، قال ابن عباس، وأبو العالية، وسعيد بن جبير، وقتادة، والسدي، وابن زيد: بيّنا لهم. وقال الثوري: دعوناهم. ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ أي: بَصَّرناهم، وبَيَّنا لهم، ووضَّحنا لهم الحقّ على لسان نبيهم صالح ﷺ فخالفوه وكذبوه، وعقروا ناقة الله التي جعلها آية وعلامة على صدق نبيهم، ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ أي: بعث الله عليهم صيحة ورَجْفَةً وذلًّا وهوانًا وعذابًا ونكالًا ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: من التكذيب والجحود ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: من بين أظهرهم، لم يَمَسّهم سوء، ولا نالهم من ذلك ضرر، بل نجاهم الله مع نبيهم صالح بإيمانهم، وتقواهم لله ﷿.
[١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [٢]- في ز: "بهم". [٣]- في ز: "ويزرأ".