للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقال ابن جرير: ويحتمل أن يكون المراد مصر فرعون على قراءة الإجراء أيضًا. ويكون ذلك من باب [١] الاتباع لكتابة المصحف، كما في قوله تعالى: ﴿قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ﴾. ثم توقف في المراد ما هو؛ أمصر فرعون أم [٢] مصر من الأمصار؟ وهذا الذي قاله فيه نظر، والحق أن المراد مصر من الأمصار كما روي عن ابن عباس وغيره، والمعنى على ذلك؛ لأنّ موسى يقول لهم هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز، بل هو كثير في أي بلد دخلتموه [٣] وجدتموه، فليس يساوي مع دناءته وكثرته في الأمصار أن أسأل الله فيه؛ ولهذا قال ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ أي ما طلبتم، ولما كان سؤالهم هذا من باب البطر والأشر ولا ضرورة [٤] فيه لم يجابوا إليه، والله أعلم.

﴿وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)[البقرة: ٦١]

يقول تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾. أي: وضعت عليهم وألزموا بها شرعًا وقدرًا، أي: لا يزالون مستذَلِّين، من وَجَدَهم استذلهم وأهانهم، وضرب عليهم الصغار، وهم مع ذلك في أنفسهم أذلاء متمسكنون [٥].

وقال الضحاك: عن ابن عباس في قوله: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ قال: هم أصحاب النيالات، يعني الجزية (٤٣٢).

وقال عبد الرزاق (٤٣٣): عن معمر، عن الحسن وقتادة في قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ [٦] وَالْمَسْكَنَةُ﴾ قال: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. وقال الضحاك ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ قال: الذل [٧]. وقال الحسن: أذلهم الله فلا منعة لهم، وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين، ولقد أدركتهم هذه الأمَّة [٨] وإنّ المجوس لتجبيهم الجزية.


(٤٣٢) - رواه ابن أبي حاتم برقم (٦٢٦) وسنده ضعيف جدًّا.
(٤٣٣) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٤٧)، وابن جرير برقم (١٠٨٨)، وابن أبي حاتم برقم (٦٢٧).