آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾. قالوا ذلك على سبيل التهكم والازدراء، فناسب أن تأتيهم صيحة تسكتهم، فقال: ﴿[وأخذت الذين ظلموا][١] الصيحة﴾. وها هنا قالوا: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. على وجه التعنت والعناد، فناسب أن يحق [٢] عليهم ما استبعدوا وقوعه: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
قال قتادة: قال عبد الله بن [عمرو][٣]﵁: إن الله سلط عليهم الحر سبعة أيام حتى ما يظلهم منه شيء، ثم إن الله أنشأ لهم سحابة، فانطلق إليها أحدهم واستظل بها، فأصاب تحتها بردًا وراحة، فأعلم بذلك قومه، فأتوها جميعًا فاستظلوا تحتها، فأجّجَتْ عليهم نارًا.
وهكذا روى عن عكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: بعث الله إليهم الظلة، حتى إذا اجتمعوا كلّهم كشف الله عنهم الظلة، وأحمى عليهم الشمس فاحترقوا كما يحترق الجراد في المقلَى.
وقال محمد بن كعب القُرظي: إن أهل مدين عذبوا بثلاثة أصناف من العذاب: أخذتهم الرجفة في دارهم حتى خرجوا منها، فلما خرجوا منها أصابهم فزع شديد، فَفَرَقُوا أن يدخلوا إلى البيوت فتسقط عليهم، فأرسل الله عليهم الظلة، فدخل تحتها رجل فقال: ما رأيت كاليوم ظلا [٤] أطيب ولا أبرد [من هذا][٥]، هلموا أيها الناس. فدخلوا جميعًا تحت الظلة، فصاح فيهم [٦] صيحة واحدة، فماتوا جميعًا. ثم تلا محمد بن كعب: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
وقال ابن جرير (١٠): حدثني الحارث، حدثني الحسن، حدثني سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد- حدثني حاتم بن أبي صغيرة، حدثني يزيد الباهلي: سألت ابن عباس عن هذه الآية: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ قال: بعث الله عليهم رعدا وحرا شديدا فأخذ بأنفاسهم، فخرجوا من البيوت هرابًا السنن البرية؛ فبعث الله سحابة فأظلتهم من الشمس، فوجدوا لها بردًا ولذة، فنادى بعضهم بعضًا، حتى إذا اجتمعوا تحتها أرسلها الله [٧] عليهم نارًا. قال ابن عباس: فذاك [٨] عذاب يوم الظلة، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.