يخبر تعالى عن جواب قومه له بمثل ما أجابت به ثمود لرسولها -تشابهت قلوبهم- حيث قالوا: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾، يعنون: من المسحورين، كما تقدم. ﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، أي: تتعمد الكذب فيما تقوله، لا أن الله أرسلك إلينا، ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، قال الضحاك: جانبًا من السماء. وقال قتادة: قطعًا من السماء، وقال السدي: عذابًا من السماء. وهذا شبيه بما قالت قريش فيما أخبر الله عنهم في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾، إلى أن قالوا: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ وقوله: ﴿﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وهكذا قال هؤلاء الكفرة الجهلة: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. ﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. يقول: الله أعلم بكم، فإن كنتم تستحقون ذلك جازاكم به غير ظالم لكم. وكذلك وقع بهم كما سألوا جزاء وفاقًا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. وهذا من جنس ما سألوا من إسقاط الكسَف عليهم؛ فإن الله ﷾ جعل عقوبتهم أن أصابهم حر شديد جدَّا مدة سبعة أيام لا يَكُنهم (*) منه شيء، ثم أقبلت إليهم سحابة أظلتهم فجعلوا ينطلقون إليها يستظلون بظلها من الحر، فلما اجتمعوا تحتها أرسل الله تعالى عليهم منها شررًا من نار ولهبًا ووهجًا عطيمًا، وَرَجفت بهم الأرض، وجاءتهم صيحة عظيمة أزهقت أرواحهم، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
وقد ذكر الله تعالى صفة إهلاكهم في ثلاثة مواطن، كل موطن بصفة تناسب ذلك السياق، ففي الأعراف ذكر أنه [١] أخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين، وذلك لأنهم قالوا: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ فأرجفوا بنبي الله ومن اتبعه، فأخذتهم الرجفة. وفي سورة هود قال: ﴿وَأَخَذَتِ [٢] الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ وذلك لأنهم استهزءوا بنبي الله في قولهم: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ
(*) كنَّ الشيءَ: ستره. [١]- في ت: "أنهم". [٢]- في ز، خ: "فأخذت".