وروى أبو صالح، عن ابن عباس: ﴿مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ يعني: من [١] المخلوقين. واستشهد بعضهم على هذا القول بما قال الشاعر:
فإن تسألينا فيمَ [٢] نحن فإننا … عصافيرُ من هذا الأنام المُسَحَّر
يعني: الذين لهم سُحور. والسَّحر هو الرئة، والأظهر في هذا قول مجاهد وقتادة أنهم يقولون: إنما أنت في قولك هذا مسحورًا لا عقل لك.
ثم قالوا: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾. يعني: فكيف أوحي إليك دوننا؟ كما قالوا في الآية الأخرى: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾. ثم إنهم اقترحوا عليه آية يأتيهم بها، ليعلموا صدقه بما جاءهم به من ربهم فطلبوا منه -وقد اجتمع ملؤهم- أن يخرج لهم الآن من هذه الصخرة -وأشاروا إلى صخرة عندهم- ناقةَ عُشَراء من صفتها كذا وكذا. فعند ذلك أخذ عليهم نبي الله صالح العهود والمواثيق، لئن أجابهم إلى ما سألوا لَيُؤمنُن به وليتبعنه، فأنعموا بذلك (٥). فقام [نبي الله][٣] صالح ﵇ فصلى، ثم دعا الله ﷿ أن يجيبهم إلى سؤالهم، فانفطرت تلك الصخرة التي أشاروا إليها عن ناقة عُشَراء، على الصفة التي وصفوها، فآمن بعضهم وكفر أكثرهم، ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ يعني: ترد ماءكم يومًا، ويوما ترِدونه أنتم، ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فحذرهم نقمة الله إن أصابوها بسوء، فمكثت الناقة بين أظهرهم حينًا من الدهر ترد الماء، وجمل الورق والمرعى، وينتفعون بلبنها، يحتلبون منها ما يكفيهم شربًا وريًّا، فلما طال عليهم الأمد وحضر شقاؤهم، تمالئوا على قتلها وعقرها، ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾. وهو أن أرضهم زُلزلت زلزالًا شديدًا، وجاءتهم صيحة عظيمة اقتلعت القلوب عن محالها، وأتاهم من الأمر ما لم يكونوا يحتسبون، فأصبحوا في ديارهم جاثمين، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.