وقال قتادة: قال بعض المهاجرين: لقد طلبت عمري كله هذه الآية فما أدركتها أن استأذن على بعض إخواني، فيقول لي: ارجع، فأرجع وأنا مغتبط ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.
وقال سعيد بن جبير [﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ أي][١]: لا تقفوا على أبواب الناس.
وقوله: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ هذه الآية الكريمة أخص من التي قبلها، وذلك أنها تقتضي جواز الدخول إلى البيوت التي ليس فيها أحد إذا كان له متاع فيها بغير إذن، كالبيت المعد للضيف إذا أذن له فيه أول مرة كفى. قال ابن جريج: قال ابن عباس: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ بُيُوتِكُمْ﴾ ثم نسخ واستثنى فقال: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ وكذا روي عن عكرمة والحسن البصري. وقال آخرون: هي بيوت التجار كالخانات ومنازل الأسفار وبيوت مكة وغير ذلك. واختار ذلك ابن جرير وحكاه عن جماعة، والأول أظهر، والله أعلم. وقال مالك عن زيد بن أسلم: هي بيوت الشعر.
هذا أمر من الله تعالى لعباده [٢] المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم فلا ينظروا إلا [إلى][٣] ما أباح لهم النظر إليه، وأن يغضُّوا أبصارهم عن المحارم، فإن اتفق أن وقع البصر على محرم من غير قصد فليصرف بصره عنه سريعًا، كما رواه مسلم في صحيحه (٨١) من حديث يونس بن عبيد، عن عمرو بن سعيد، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن جده [][٤] جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: سألت النبي ﷺ عن نظرة الفجأة؟ فأمرني أن أصرف بصري.
وكذا رواه الإِمام أحمد، عن هشيم، عن يونس بن عبيد به. ورواه أبو داود والترمذي
(٨١) صحيح مسلم، كتاب الآداب (٢١٥٩)، والمسند (٤/ ٣٦١)، وسنن أبي داود، كتاب النكاح (٢١٤٨)، وسنن الترمذي، كتاب الأدب (٢٧٧٦)، والنسائي في السنن الكبرى حديث (٩٢٣٣).