يقول تعالى مخبرًا عن قوم إبراهيم حين قال لهم ما قال: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، أي: بالملامة في عدم احترازهم وحراستهم لآلهتهم، فقالوا: ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾، أي: في ترككم لها مهملة لا حافظ عندها ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾، أي:[ثم][١] أطرقوا في الأرض، فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [قال قَتَادة: أدركت القوم حيرة سوء فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾][٢] وقال السديُّ ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ أي: في الفتنة. وقال ابن يزيد: أي: في الرأي.
وقول قَتَادة أظهر في المعنى؛ لأنهم إنما فعلوا ذلك حيرة وعجزًا، ولهذا قالوا له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ فكيف تقول لنا: سلوهم إن كانوا ينطقون، وأي تعلم أنَّها لا تنطق؟ فعندها قال لهم إبراهيم لما اعترفوا بذلك: ﴿قَال أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾، أي: إذا كانت لا تنطق وهي لا تنفع ولا تضر، فلم تعبدونها من دون الله ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، أي: أفلا تتدبرون ما أنتم فيه من الضلال والكفر الغليظ، الذي لا يروج إلا على جاهل ظالم فاجر؟ فأقام عليهم الحجة وألزمهم بها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَينَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾. الآية.
لما دحضت حجتهم، وبان عجزهم، [فظهر][٣] الحق، واندفع الباطل، عدلوا إلى استعمال جاه ملكهم، فقالوا: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ فجمعوا حطبًا كثيرًا جدًّا -قال السديُّ: حتَّى إن كانت المرأة تمرض، فتنذر إن عوفيت أن تحمل حطبًا لحريق إبراهيم- ثم جعلوه في جَوْبَة [٤] من الأرض، وأضرموها نارًا، فكان لها شرر عظيم ولهب مرتفع، لم توقد نار قط مثلها، وجعلوا إبراهيم ﵇ في كفة المنجنيق بإشارة رجل من أعراب فارس من الأكراد -قال شعيب الجبائى: اسمه هيزن- فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى -يوم القيامة- فلما ألقوه قال:"حسبي الله ونعم الوكيل! ".
[١]- في ز: "هم". [٢]- سقط من: ز. [٣]- في ت: "وظهر". [٤]- في ز: "جونة". والجوبة: الحفرة.