أخبر تعالى نبيه موسى بما كان بعده من الحدث في بني إسرائيل، وعبادتهم العجل الذي عمله لهم ذلك إلى سامري. وفي الكتب الإِسرائيلية: أنه كان اسمه هارون أيضًا، وكتب اللَّه تعالى له في هذه المدة الألواح المتضمنة التوراة، كما قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾. أي: عاقبة الخارجين عن طاعتي المخالفين لأمري.
وقوله: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾، أي: بعد ما أخبره تعالى بذلك، في غاية الغضب والحنق عليهم، هو فيما هو فيه من الاعتناء بأمرهم، وتسلم [١] التوراة التي فيها شريعتهم، وفيها شرف لهم، وهم قوم قد عبدوا غير اللَّه، ما يَعْلَمُ كل عاقل له لب [وحزم][٢] بطلان ما هم فيه وسخافة عقولهم وأذهانهم، ولهذا رجع إليهم غضبان أسفًا. والأسف شدة الغضب. وقال مجاهد: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ أي: جزعًا.
وقال قتادة والسدي: ﴿أَسِفًا﴾ حزينًا على ما صنع قومه من بعده ﴿قَال يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾، أي: أما وعدكم على لساني كل خير في الدنيا والآخرة، وحسن العاقبة كما قد شاهدتم من نصرته إياكم على عدوكم، وإظهاركم عليه، وغير ذلك من أياديه عندكم ﴿أَفَطَال عَلَيكُمُ الْعَهْدُ﴾ أي: في انتظار ماوعدكم اللَّه، ونسيان ما سلف من نعمه، وما بالعهد من قدم. ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، ﴿أَمْ﴾: هاهنا بمعنى بل، وهي للإضراب عن الكلام الأول، وعدول إلى الثاني، كأنه يقول: بل أردتم بصنيعكم هذا أن يحل عليكم غضب من ربكم ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قَالُوا﴾، أي: بنو إسرائيل في جواب ما أنبهم موسى وقرعهم: ﴿مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ أي: عن قدرتنا واختيارنا.
ثم شرعوا يعتذرون بالعذر البارد، يخبرونه عن تورعهم عما كان بأيديهم من حلي القبط، الذي كانوا قد استعاروه منهم، حين خرجوا من مصر ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾. أي: ألقيناها عنا. وقد تقدم في حديث الفتون أن هارون ﵇ -هو الذي كان أمَرَهم بإلقاء الحلي في حفيرة فيها نار.