للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

هارون، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣) قَال هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ أي: قادمون ينزلون قريبًا من الطور ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ أي: لتزداد عني رضًا. ﴿قَال فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾.

أخبر تعالى نبيه موسى بما كان بعده من الحدث في بني إسرائيل، وعبادتهم العجل الذي عمله لهم ذلك إلى سامري. وفي الكتب الإِسرائيلية: أنه كان اسمه هارون أيضًا، وكتب اللَّه تعالى له في هذه المدة الألواح المتضمنة التوراة، كما قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾. أي: عاقبة الخارجين عن طاعتي المخالفين لأمري.

وقوله: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾، أي: بعد ما أخبره تعالى بذلك، في غاية الغضب والحنق عليهم، هو فيما هو فيه من الاعتناء بأمرهم، وتسلم [١] التوراة التي فيها شريعتهم، وفيها شرف لهم، وهم قوم قد عبدوا غير اللَّه، ما يَعْلَمُ كل عاقل له لب [وحزم] [٢] بطلان ما هم فيه وسخافة عقولهم وأذهانهم، ولهذا رجع إليهم غضبان أسفًا. والأسف شدة الغضب. وقال مجاهد: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ أي: جزعًا.

وقال قتادة والسدي: ﴿أَسِفًا﴾ حزينًا على ما صنع قومه من بعده ﴿قَال يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾، أي: أما وعدكم على لساني كل خير في الدنيا والآخرة، وحسن العاقبة كما قد شاهدتم من نصرته إياكم على عدوكم، وإظهاركم عليه، وغير ذلك من أياديه عندكم ﴿أَفَطَال عَلَيكُمُ الْعَهْدُ﴾ أي: في انتظار ماوعدكم اللَّه، ونسيان ما سلف من نعمه، وما بالعهد من قدم. ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، ﴿أَمْ﴾: هاهنا بمعنى بل، وهي للإضراب عن الكلام الأول، وعدول إلى الثاني، كأنه يقول: بل أردتم بصنيعكم هذا أن يحل عليكم غضب من ربكم ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قَالُوا﴾، أي: بنو إسرائيل في جواب ما أنبهم موسى وقرعهم: ﴿مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ أي: عن قدرتنا واختيارنا.

ثم شرعوا يعتذرون بالعذر البارد، يخبرونه عن تورعهم عما كان بأيديهم من حلي القبط، الذي كانوا قد استعاروه منهم، حين خرجوا من مصر ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾. أي: ألقيناها عنا. وقد تقدم في حديث الفتون أن هارون -هو الذي كان أمَرَهم بإلقاء الحلي في حفيرة فيها نار.


[١]- في ز: "تسليم".
[٢]- سقط من ز.