وفي رواية السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس: إنما أراد هارون أن يجتمع الحلي كله في تلك الحفيرة، ويجعل حجزا واحدًا، حتى إذا رجع موسى ﵇ يرى فيه ما يشاء، ثم جاء ذلك السامري فألقى عليها تلك القبضة التي أخذها من أثر الرسول، وسأل هارون أن يدعو اللَّه أن يستجيب له في دعوته؛ فدعا له هارون وهو لا يعلم ما يريد، فأجيب له، فقال السامري عند ذلك: أسأل اللَّه أن يكون عجلًا. فكان عجلًا له خوار. أي: صوت استدراجًا وامهالًا ومحنة واختبارًا، ولهذا قال: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبادة بن البَخْتَري [١]، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا حماد، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن هارون مر بالسامري وهو ينحت العجل، فقال له: ما تصنع؟ فقال: أصنع ما يضر ولا ينفع. فقال هارون: اللهم أعلى ما سأل على ما في نفسه. ومضى هارون، فقال السامري: اللهم إني أسألك أن يخور. فخار، فكان إذا خار سجدوا له، وإذا خار رفعوا رءوسهم. ثم رواه من وجه آخر عن حماد، وقال: أعمل [٢] ما ينفع ولا يضر.
وقال السدي [٣]: كان يخور ويمشي ﴿فَقَالُوا﴾، أي: الضلال منهم الذين افتتنوا بالعجل وعبدوه: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ أي: نسيه هاهنا وذهب يتطلبه، كذا تقدم في حديث الفتون عن ابن عباس، وبه قال مجاهد.
وقال سماك عن عكرمة عن ابن عباس: ﴿فَنَسِيَ﴾. أي: نسي أن يذكركم أن هذا إلهكم.
وقال محمد بن إسحاق، عن حكيم بن جبير [٤]، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ قال: فعكفوا عليه وأحبوه حبا لم يحبوا شيئًا قط -يعني مثله- يقول اللَّه: ﴿فَنَسِيَ﴾، أي: ترك ما كان عليه من الإِسلام -يعني السامري، قال اللَّه تعالى ردًّا عليهم، وتقريعًا لهم، وبيانًا لفضيحتهم، وسخافة عقولهم فيما ذهبوا إليه: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ أي: العجل، ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾ أنه لا يجيبهم إذا سألوه، ولا إذا خاطبوه، ﴿وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾. أي: في دنياهم ولا أخراهم.
[١]- في ز: "النحوي". [٢]- سقط من ز. [٣]- في ز: "الذي". [٤]- في ز: "جرير".