وألقوا ما في أيديكم مرة واحدة؛ لتبهروا الأبصار، وتغلبوا [١] هذا وأخاه، ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾. أي: منا ومنه، أما نحن فقد وعدنا هذا الملك العطاء الجزيل، وأما هو فينال الرياسة العظيمة.
يقول تعالى مخبرًا عن السحرة حين توافقوا هم وموسى ﵇ أنهم قالوا لموسى: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾. أي: أنت أولًا ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَال بَلْ أَلْقُوا﴾. أي: أنتم أولًا؛ ليرى ما [٢] تصنعون من السحر، وليظهر للناس جلية أمرهم، ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾. وفي الآية الأخرى أنهم لما ألقوا ﴿وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾. وقال هاهنا: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾.
وذلك أنهم أودعوها من الزئبق ما كانت تتحرك بسببه وتضطرب وتميد، بحيث يخيل للناظر أنَّها تسعى باختيارها، وإنَّما كانت حيلة، وكانوا [٣] جمًّا خفيرًا وجمعًا كبيرًا [٤]، فألقى كل منهم عصًا وحبلًا حتَّى صار الوادي ملآن حيات يركب بعضها بعضًا. وقوله: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ أي: خاف على الناس أن يَفْتَتِنُوا بسحرهم، ويغتروا بهم قبل أن يلقي ما في يمينه، فأوحى الله تعالى إليه في الساعة الراهنة: أن ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ يعني: عصاك ﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ وذلك أنَّها صارت تنينًا عظيمًا هائلًا، ذا عيون وقوائم [وعنق][٥] ورأس وأضراس، فجعلت تتبع تلك الحبال والعصي، حتَّى لم تبق منها شيئًا إلَّا تلقفته وابتلعته، والسحرة والناس ينظرون إلى ذلك عيانًا جَهْرَة، نهارًا ضحوة. فقامت المعجزة، واتضح البرهان، وبطل ما كانوا يعملون. ولهذا قال
[١]- في ز: "تقلبوا". [٢]- في ش: ماذا. [٣]- في ز: "جاءوا". [٤]- في ش: "كثيرًا". [٥]- سقط من ز.