والمراد: أنهما لا يفتران في ذكر الله، بل يذكران الله في حال مواجهة فرعون؛ ليكون ذكر الله عونًا لهما عليه، وقوّة لهما وسلطانًا كاسرًا له، كما جاء في الحديث: "إن عبدي كل عبدي للذي يذكرني وهو مناجز قِرْنه".
﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ أي: تمرّد وعتا وتجهرم على الله وعصاه، ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ هذه الآية فيها عبرة عظيمة، وهو أن فرعون في غاية العتو والاستكبار [١] وموسى صفوة الله من [٢] خلقه إذ ذاك، ومع هذا أمر أن لا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين، كما قال يزيد الرقاشي عند قوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ يا من يتحبب إلى من يعاديه فكيف بمن يتولاه ويناديه؟!
وقال وهب بن منبه: قولا له: إني إلى العفو والمغفرة أقرب مني إلى الغضب والعقوبة.
وعن عكرمة في قوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ قال: لا إله إلا الله.
وقال عمرو بن عبيد، عن الحسن البصري: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾: أعذرا إليه، قولا له: إن لك ربًّا ولك معادًا وإن بين يديك جنةً ونارًا.
وقال بقية عن علي بن هارون عن رجلٍ عن الضحاك بن مزاحم عن النزَّال بن سبرة [٣] عن عليّ في قوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ قال: كَنِّهِ.
وكذا روي عن سفيان الثوري: كَنِّهِ بأبي مرة.
والحاصل من أقوالهم: أن دعوتهما له تكون بكلام رقيق لين قريب سهل؛ ليكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
وقوله [٤]: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾، أي: لعله يرجع عما هو فيه من الضلال والهلكة، ﴿أَوْ يَخْشَى﴾ أي: يُوجد طاعة من خشية ربه، كما قال تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ فالتذكر: الرجوع عن المحذور، والخشية: تحصيل الطاعة.
وقال الحسن البصري: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾، يقول: لا تقل أنت يا موسى وأخوك هارون: أهْلكْه، قبل أن أعذر إليه.
وهاهنا نذكر شعر زيد بن عمرو بن نفيل، ويروى لأمية بن أبي الصلت فيما ذكره ابن
[١]- في ز: الاستنكار.
[٢]- في ز: في.
[٣]- في ز: "ميسرة".
[٤]- سقط من ز.