خاسر، فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما يعني به الذنب.
وقال ابن جرير في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: الخاسرون جمع خاسر، وهم الناقصون أنفسهم حظوظهم بمعصيتهم الله من رحمته، كما يخسر الرجل في تجارته بأن يوضع من رأس ماله في بيعه، وكذلك المنافق والكافر خسر بحرمان الله إياه رحمته التي خلقها لعباده في القيامة أحوج ما كانوا إلى رحمته، يقال منه: خسر الرجل يخسر خَسرًا وخُسرانًا وخَسَارًا، كما قال جرير بن عطية.
إن سَلِيطًا في الخَسَارِ إنه … أولادُ قَوم خُلقُوا أقِنَّه
يقول تعالى محتجًّا على [وجوده وقدرته][١]، وأنه الخالق المتصرف في عباده: ﴿كَيفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ أي: كيف تجحدون وجوده، أو تعبدون معه غيره؟! ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ أي: وقد كنتم عدمًا فأخرجكم إلى الوجود، كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيرِ شَيءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيئًا مَذْكُورًا﴾ والآيات في هذا كثيرة.
وقال سفيان الثوري عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود ﵁(٢١٦) - ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَينِ وَأَحْيَيتَنَا اثْنَتَينِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾. قال: هي التي في البقرة ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾.
وقال ابن جريج: عن عطاء (٢١٧)، عن ابن عباس: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أمواتًا في أصلاب آبائكم، لم تكونوا شيئًا حتى خلقكم، ثم يميتكم موتة الحق، ثم يحييكم حين يبعثكم. قال: وهي مثل قوله تعالى: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَينِ وَأَحْيَيتَنَا اثْنَتَينِ﴾. وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَينِ وَأَحْيَيتَنَا اثْنَتَينِ﴾ قال: كنتم ترابًا قبل أن يخلقكم، فهذه ميتة، ثم أحياكم فخلقكم فهذه حياة، ثم يميتكم فترجعون إلى القبور فهذه
(٢١٦) - رواه ابن جرير (٥٧٧)، وابن أبي حاتم (٣٠١)، والطبراني (٩/ ٩٠٤٤)، والحاكم (٥/ ٤٣٧) وقال: على شرط الشيخين، وإنما هو على شرط مسلم وحده. (٢١٧) - رواه ابن أبي حاتم (٣٠٣)، وابن جرير (١/ ١٨٦ الحلبي)، وعطاء هو الخرساني، لم يسمع من ابن عباس، فهو منقطع.