وتتساوى [١] المهاد، وتبقى الأرض ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾ أي: سطحًا مستويًا لا عوج فيه ﴿وَلَا أَمْتًا﴾، أي: لا وادي ولا جبل، ولهذا قال تعالى:[﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾، أي: بادية ظاهرة، ليس فيها معلم لأحد، ولا مكان يواري أحدًا، بل الخلق كلهم ضاحون لربهم، لا تخفى عليه منهم خافية.
قال مجاهد وقتادة] [٢]: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ لا خمَر (*) فيها ولا غَيابة (**).
و [٣] قال قتادة: لا بناءَ ولا شَجَر.
وقوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾، أي: وجمعناهم؛ الأولين منهم والآخرين، فلم نترك منهم أحدًا، لا صغيرًا ولا كبيرًا، كما قال: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ وقال: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾.
وقوله [٤]: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾، يحتمل أن يكون المراد: أن جميع الخلائق يقومون بين بدي الله صفًّا واحدًا، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَال صَوَابًا﴾ ويحتمل أنهم [٥] يقومون صفوفًا صفوفًا كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾.
وقوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ هذا تقريع للمنكرين للمعاد، وتوبيخ لهم [٦] على رءوس الأشهاد، ولهذا قال مخاطبًا لهم: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾، أي: ما كان ظنكم أن هذا واقع بكم، ولا أن هذا كائن.
وقوله: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ أي كتاب الأعمال الذي فيه الجليل والحقير والفتيل والقطمير، والصغير والكبير، ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾، أي: من أعمالهم السيئة وأفعالهم القبيحة، ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيلَتَنَا﴾، أي: يا حسرتنا وويلنا على ما فرطنا في أعمارنا ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إلا أَحْصَاهَا﴾، أي: لا يترك ذنبًا صغيرًا ولا كبيرًا، ولا عملًا وإن صغر إلا أحصاها، أي: ضبطها وحفظها.
(*) الخمر -بفتح الخاء والميم: كل ما سترك من شجر أو بناء أو غيره. (**) الغيابة: الجب، والوادي.