يذكر تعالى: أنه أرسل إلى الأمم الخالية رسلًا فكذبت الرسل، فلك يا محمد في إخوانك من المرسلين أسوة، فلا يهيدنك تكذيب قومك لك، وأما المشركون الذين كذبوا الرسل، فإنما حملهم على ذلك تزيين الشيطان لهم ما فعلوه ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ أي: هم تحت العقوبة والنكال، والشيطان وليهم ولا يملك لهم خلاصًا، ولا صريخ لهم ولهم عذاب أليم.
ثم قال تعالى لرسوله: إنه إنما أنزل عليك [١] الكتاب؛ ليبين للناس الذي يختلفون فيه، فالقرآن فاصل بين الناس في كل ما يتنازعون فيه ﴿وَهُدًى﴾ أي: للقلوب [٢] ﴿وَرَحْمَةً﴾ أي [٣]: لمن تمسك به ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
وكما جعل سبحانه [٤] القرآن حياة للقلوب الميتة بكفرها، كذلك يحيى الأرض بعد موتها بما ينزله عليها من السماء من ماء ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي: يفهمون الكلام ومعناه.
يقول تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ﴾ أيها الناس ﴿فِي الْأَنْعَامِ﴾ وهي الإبل والبقر والغنم ﴿لَعِبْرَةً﴾ أي: لآية ودلالة على [حكمة خالقها وقدرته ورحمته ولطفه ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ وأفرد ها هنا عودًا على معنى النعم، أو الضمير عائد على الحيوان، فإن الانعام حيوانات، أي: نسقيكم مما في بطن هذا الحيوان.
وفي الآية الأخرى ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِا﴾ ويجوز هذا وهذا، كما في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيمَانَ﴾ أي: المال.
وقوله: ﴿مِنْ بَينِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا﴾ أي: يتخلص الدم بياضه وطعمه وحلاوته من بين فرث ودم في باطن الحيوان، فيسري كل إلى موطنه إذا نضج الغذاء في معدته،
[١]- في ز: "عليه". [٢]- في خ: "القلوب". [٣]- سقط من: ز. [٤]- في خ: "تعالى".