وقال مجاهد: أنزل الله عليهم المطر قبل النعاس؛ فأطفأ بالمطر الغبار، وتلبدت به الأرض، وطابت نفوسهم وثبتت به أقدامهم.
وقال ابن جرير (٤٨): حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا مصعب بن المقدام، حدثنا إسرائيل، حدثنا أبو إسحاق، عن حارثة [١]، عن علي ﵁ قال: أصابنا من الليل طَشَّ من المطر - يعني الليلة التي كانت في صبيحتها وقعة بدر - فانطلقنا تحت الشجر والحجف، نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله، ﷺ، [يدعو ربه:"اللهم، إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض". فلما أن طلع الفجر نادى:"الصلاة، عباد الله! " فجاء الناس من تحت الشجر والحجف، فصلى بنا رسول الله ﷺ] [٢]، وحرض على القتال.
وقوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ أي: من حدث أصغر أو أكبر، وهو تطهر الظاهر [٣]، ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ أي: من وسوسة أو خاطر سيئ وهو تطهير الباطن، كما قال تعالى في حق أهل الجنة: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ فهذا زينة الظاهر [٤]، ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ أي: مطهرًا لما كان من غل أو حسد أو تباغض، وهو زينة الباطن وطهارته.
﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ أي: بالصبر والإِقدام على مجالدة الأعداء، وهو شجاعة الباطن. ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ وهو شجاعة الظاهر، والله أعلم.
وقوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهذه نعمة خفية أظهرها الله تعالى لهم ليشكروه عليها، وهو أنّه - تعالى وتقدّس وتبارك وتمجد - أوحى [٥] إلى الملائكة الذين أنزلهم لنصر نبيه ودينه وحزبه المؤمنين، يوحي إليهم فيما بينه وبينهم أن يثبتوا الذين آمنوا.
قال ابن إسحاق: وازرُوهم. وقال غيره: قاتلوا معهم. وقيل: كثَّروا سَوَادهم. وقيل: كان ذلك بأن الملَك كان يأتي الرجل من أصحاب النبي ﵌، يقول: سمعت هؤلاء القوم يعني المشركين يقولون: والله لئن حملوا علينا لننكشفن، فيحدِّث المسلمون بعضهم بعضًا بذلك؛ فتقوى أنفسهم. حكاه ابن جرير، وهذا لفظه بحروفه.