ولهذا كان قتل صناديد قريش بأيدي أعدائهم الذين ينظرون إليهم بأعين ازدرائهم أنكى لهم وأشفى لصدور حزب الأِيمان، فَقَتْلُ [١] أبي جهل في معركة القتال وحومة الوغى أشد إهانة [٢] له من أن يموت على فراشه بقارعة أو صاعقة أو نحو ذلك، كما مات أبو لهب - لعنه الله - بالعَدَسة (٤٤)، بحيث لم يقربه أحد من أقاربه، وإنما غسلوه بالماء قذفًا من بعيد، ورجموه حتى دفنوه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: له العزة ولرسوله وللمؤمنين بهما في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]. ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما شرعه من قتال الكفار، مع القدرة على دمارهم وإهلاكهم بحوله وقوته، ﷾.
يذكرهم الله تعالى بما أنعم به عليهم من إلقائه النعاس عليهم، أمانًا من خوفهم الذي حصل لهم من كثرة عدوهم وقلة عددهم، وكذلك فعل تعالى بهم يوم أحد، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾. قال أبو طلحة: كنت ممن أصابه النعاس يوم أحد، ولقد سقط السيف من يدي مرارًا يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه، ولقد نظرت إليهم يميدون وهم تحت الحجف.
وقال الحافظ أبو يعلى (٤٥): حدثنا زهير، حدثنا ابن مهدي، عن شعبة، عن أبي
(٤٤) - قال ابن الأثير في النهاية (٣/ ١٩٠) في حديث أبي رافع: "أن أبا لهب رماه الله بالعدسة" وهي بثرة تشبه العدسة تخرج في مواضع من الجسد، من جنس الطاعون، تقتل صاحبها غالبًا". (٤٥) - إسناده صحيح، وهو في مسند أبي يعلى ٢٨٠ - (١/ ٢٤٢) ورواه أحمد في مسنده (١/ ١٢٥) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، بهذا الإسناد، ورواه ابن حبان في صحيحه من طريق ابن خزيمة برقم (١٦٩٠ موارد).