وفي الصحيحين (٢٦١) من حديث ابن مسعود: "لم يبعث الله [١] إليه الملك، فيؤمر بأربع كلمات، فيكتب: رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد".
وتقدم أن الله لما استخرج ذرية آدم من صلبه، وجعلهم فريقين: أصحاب اليمين وأصحاب الشمال قال: "هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي"(٢٦٢).
والأحاديث في هذا كثيرة، ومسألة القَدَر كبيرة ليس هذا موضع بسطها.
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ يعني: ليس ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي جعلها الله سببًا للهداية، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. الآية. وقال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾، هذا في حق المنافقين، وقال في حق الكافرين: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، ولم يكونوا صمًّا و [٢] بكمًا و [٣] عميًا إلا عن الهدى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾، وقال: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ﴾ أي: هؤلاء الذين لا يسمعون الحق ولا يَعُونه ولا يبصرون الهدى كالأنعام [٤] السارحة التي لا تنتفع [٥] بهذه الحواس منها إلا في الذي يعيشها في ظاهر الحياة الدنيا، كقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾، أي: ومثلهم في حال دعائهم إلى الإِيمان، كمثل الأنعام إذا دعاها راعيها، لا تسمع إلا صوته، ولا تفقه ما يقول؛ ولهذا قال في هؤلاء: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ أي: من الدواب؛ لأن الدواب قد تستجيب مع ذلك لراعيها إذا أبَسَّ [٦](٢٦٣) بها، وإن لم تفقه كلامه، بخلاف هؤلاء، ولأن الدواب تفقه ما خلقت له إما بطبعها وإما بتسخيرها، بخلاف الكافر فإنه إنما خلق
(٢٦١) - اْخرجه البخاري، كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة (٣٢٠) ومسلم، فاتحة كتاب القدر (٢٦٤٣) ويأتي تخريجه بأوسع مما هنا [سورة الرعد/ آية ٨]. (٢٦٢) - تقدم برقم (٢٤٦). (٢٦٣) - أبَّس الراعي الإبل، وأبس بها: زجرها بقوله: بِسْ، بِسْ.