للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ أي: فيما أخذ علينا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ يقولون: ولعل بهذا الإِنكار يتقون ما هم فيه ويتركونه، ويرجعون إلى الله تائبين، فإذا تابوا تاب الله عليهم ورحمهم.

قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي: فلما أبي الفاعلون المنكرَ قبول النصيحة ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: ارتكبوا المعصية ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ فنص على نجاة الناهين وهلاك الظالمين، وسكت عن الساكتين؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فهم لا يستحقون مدحًا فيمدحوا، ولا ارتكبوا عظيمًا فيذموا، ومع هذا فقد اختلف الأئمة فيهم هل كانوا من الهالكين أو من الناجين؟ على قولين:

قال على بن أبي طلحة: عن ابن عباس ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾: هي قرية على شاطئ البحر بين مكة [١] والمدينة يقال لها: "أيلة" فحرم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم، وكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعًا في ساحل البحر، فإذا مضى يوم السبت لم يقدروا عليها، فمضى على ذلك ما شاء الله، ثم إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم فنهتهم طائفة وقالوا: تأخذونها وقد حرمها الله عليكم يوم سبتكم، فلم يزدادوا إلا غيًّا، وعتوًّا، وجعلت طائفة أخرى تنهاهم، فلما طال ذلك عليهم قالت طائفة من النهاة: تعلموا [٢] أن هؤلا قوم قد [٣] حق عليهم العذاب ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ وكانوا أشد غضبًا لله من الطائفة الأخرى فقالوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ وكلٌّ قد كانوا ينهون، فلما [٤] وقع عليهم غضب الله نجت الطائفتان اللتان قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ والذين قالوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ وأهلك [٥] الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان فجعلهم قردة.

وروى العوفي عن ابن عباس قريبًا من هذا.

وقال حماد بن زيد: عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ قال: ما أدري أنجا الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ أم لا؟ قال: فلم أزل به حتى عرَّفته أنهم قد نجوا، فكساني حُلة.


[١]- في ح، ز: "مصر" والمثبت من تفسير ابن جرير (١٣/ ١٥٢٦٦).
[٢]- في ج، ز: "تعلمون" وهو تحريف؛ لأنه فعل أمر بمعنى اعلموا.
[٣]- سقط من: ز.
[٤]- في ز: "لما".
[٥]- في ز: "أهلكهم".