وقال ابن أبي حاتم (١٧٩): ذُكر عن محمد بن عبد الله بن أبي الثلج، حدثنا الهيثم بن خارجة، حدثنا عثمان بن حصين بن علاق، عن عروة بن رُوَيم قال: كانت الجبال قبل أن يتجلى الله لموسى على الطور صُمًّا مُلْسًا، فلما تجلى الله لموسى على الطور دُكَّ، وتفطرت الجبال، فصارت الشقوق والكهوف.
وقال الربيع بن أنس: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾، وذلك أن الجبل حين كشف الغطاء، ورأى النور صار مثل دك من الدكَّات [١]. وقال بعضهم: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي: فتَّته.
وقال مجاهد في قوله: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾، فإنه أكبر منك وأشد خلقًا، ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ فنظر إلى الجبل لا يتمالك، وأقبل الجبل فَدُكَّ على أوله، ورأى موسى ما يصنع الجبل، فخر صعقًا.
وقال عكرمة ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال: نظر الله إلى الجبل فصار صحراء [٢] ترابًا.
وقد قرأ بهذه القراءة بعض القراء [٣]، واختارها ابن جرير، وقد ورد فيها حديث مرفوع رواه ابن مردويه (١٨٠).
والمعروف أن الصعق هو الغَشْي هاهنا، كما فسره ابن عباس وغيره، كما فسره قتادة بالموت، وإن كان ذلك صحيحًا في اللغة، كقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾، فإن هنا قرينة تدل على الموت كما أن هناك قرينة تدل على الغشي، وهي قوله: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾ والإِفاقة إنما تكون من [٤] غشي.
(١٧٩) - " التفسير" لابن أبي حاتم (٥/ ٨٩٤٣). (١٨٠) - وعزاه لابن مردويه السيوطي في "الدر المنثور" (٣/ ٢٢٢) - ولم أقف على إسناده وما ينفرد به ابن مردوده الغالب عليه الضعف، وقد أُخرج ما يخالفه أيضًا - عزاه له السيوطي - وصححه الحاكم على شرط مسلم (٢/ ٢٣٩) ووافقه الذهبي، من حديث أنس أيضًا، أن النبي ﷺ قرأ ﴿دَكًّا﴾ منونة ولم يمدد.