للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

للناس من كيده ومكره في قوله: ﴿أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ أي: إن غَلَبَه لكم في يومكم هذا، إنما كان عن تشاور منكم ورضا منكم لذلك؛ كقوله في الآية الأخرى: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وهو يعلم وكل من له لب أن هذا الذي قاله من أبطل الباطل، فإن موسى بمجرد ما جاء من مدين دعا فرعون إلى الله، وأظهر المعجزات الباهرة والحجج القاطعة على صدق ما جاء به، فعند ذلك أرسل فرعون في مدائن ملكه ومعاملة سلطته، فجمع سحرة متفرقين من سائر الأقاليم ببلاد مصر، ممن اختار هو من قومه وأحضرهم عنده، ووعدهم بالعطاء الجزيل؛ و [١] قد كانوا من [٢] أحرص الناس على ذلك، وعلى الظهور في مقامهم ذلك، والتقدم عند فرعون. وموسى لا يعرف أحدًا منهم، ولا رآه ولا اجتمع به، وفرعون يعلم ذلك، وإنما قال هذا [٣] تسترًا وتدليسًا على رعاع دولته وجهلتهم، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾، فإن قويًّا صدقوه فى قوله: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ من أجهل خلق الله وأضلهم.

وقال السدي في تفسيره بإسناده المشهور (١٤٥): عن ابن مسعود وابن عبَّاس وغيرهما من الصحابة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾ قال [٤]: التقى موسى وأمير السحرة، فقال له موسى: أرأيتك إن غلبتك أتؤمن بي، وتشهد أن ما جئت به حق؟ قال الساحر: لآتين غذا بسحر لا يغلبه سحر، والله لئن غلبتني لأومن بك ولأشهدن أنك حق. وفرعون ينظر إليهما. قالوا: فلهذا قال ما قال.

وقوله: ﴿لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ أي: تجتمعوا أنتم وهو، و [تكون لكم] [٥] دولة وصولة، وتخرجوا منها الأكابر والرؤساء، وتكون الدولة والتصرف لكم ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: ما أصنع بكم.

ثم فسر هذا الوعيد بقوله: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ يعني: يقطع يد الرجل اليمنى ورجله اليسرى، أو [٦] بالعكس ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وقال في الآية الأخرى: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي: على الجذوع.

قال ابن عبَّاس: وكان أول من صلب، وأول من قطع الأيدي والأرجل من خلاف فرعون.


(١٤٥) - ومن طريق السُّدي أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٤٩٥٥) عن أبي مالك وعلى بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله فذكره.