للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)

يخبر تعالى بأنه خالق [١] العالم سماواته وأرضيه، وما بين ذلك فى ستة أيام، كما أخبر بذلك فى غير ما آية من القرآن، والستة أيام [٢] هي: الأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، وفيه اجتمع الخلق كله، فيه خلق آدم ، واختلفوا في هذه الأيام: هل كل يوم منها كهذه الأيام، كما هو المتبادر إلى الأذهان، أو كل يوم كألف سنة، كما نص على ذلك مجاهد والإِمام أحمد بن حنبل؟ ويروى ذلك من [٣] رواية الضحاك عن ابن عباس، فأما يوم السبت فلم يقع فيه خلق؛ لأنه اليوم السابع، ومنه سمي السبت، وهو القطع.

فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال (١١٠): حدثنا حجاج، حدثنا ابن جريج، أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله بيدي فقال: "خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة، آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل".

فقد رواه مسلم بن الحجاج في صحيحه، والنسائي من غير وجه، عن حجاج وهو ابن محمد الأعور، عن ابن جريج به. وفيه استيعاب الأيام السبعة، والله تعالى قد قال: ﴿في ستة أيام﴾ ولهذا تكلم البخاري وغير واحد من الحفاظ فى هذا الحديث، وجعلوه من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار ليس مرفوعًا، والله أعلم.

وأما قوله تعالى: ﴿ثم استوى على العرش﴾ فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدًا ليس هذا موضع بسطها، وإنما يسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح: مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديمًا وحديثًا، وهو: إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل. والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. بل الأمر كما قال الأئمة: منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال [٤]: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه [٥]، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة


(١١٠) - " المسند" (٢/ ٣٢٧) وتقدم تخريجه [البقرة/ آية ٢٩].