للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

كما بدأناكم أعدناكم [١]، وقد كنتم تنكرون ذلك وتستبعدونه، فهذا يوم البعث.

وقوله: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ [وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ] [٢]﴾ أي: من النعم والأموال التي اقتنيتموها في الدار الدنيا وراء ظهوركم، وثبت في الصحيح (١٦٠): أن رسول الله قال: "يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت" وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس.

وقال الحسن البصري: يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه بذج [٣]، فيقول الله ﷿ [له]: أين ما جمعت؟ فيقول: يارب جمعته وتركته أوفر ما كان. فيقول [له: يا ابن آدم أين] [٤] ما قدمت لنفسك؟ فلا يراه قدم شيئًا، وتلا هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾. رواه ابن أبي حاتم (١٦١).

وقوله: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ تقريع لهم وتوبيخ على ما كانوا اتخذوا في [] [٥] الدنيا من الأنداد والأصنام والأوثان، ظانين أنها [٦] تنفعهم في معاشهم ومعادهم إن كان ثم معاد، فإذا كان يوم القيامة تقطعت الأسباب، وانزاح الضلال، وضل عنهم ما كانوا يفترون، ويناديهم الرب على رءوس الخلائق: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ [٧] (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣)﴾ ولهذا قال هاهنا: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ [أي: في العبادة لهم فيكم قسط في استحقاق العبادة لهم] [٨].

[ثم قال تعالى] [٩]: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ قرئ بالرفع أي: شملكم، وقرئ بالنصب أي: لقد انقطع ما بينكم من الأسباب والوصلات والوسائل ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ﴾ أي [١٠]: وذهب عنكم ﴿مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ من رجاء [١١] الأصنام والأنداد [١٢]، كقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ


(١٦٠) - تقدم تخريجه [سورة البقرة / آية ٢١٢].
(١٦١) - ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٧٦٤١) معلقًا قال: وذكر عن أبي داود، عن أبي حرة، عن الحسن فذكره، وزاد نسبته السيوطي في "الدر المنثور" (٣/ ٦٠) إلى عبد بن حميد.