للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

لضعفه، وقعت البشارة به وبولده باسم يعقوب، الذي فيه اشتقاق العقب والذرية، وكان هذا مجازاة لإبراهيم ، حين اعتزل قومه وتركهم ونزح عنهم، وهاجر من بلادهم ذاهبا إلى عبادة الله في الأرض، فعوضه الله ﷿ عن قومه وعشيرته بأولاد صالحين من صلبه على دينه، لتقر [١] بهم عينه، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩)[مريم: ٤٩]، وقال هاهنا: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا﴾.

وقوله: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبله هديناه، كما هديناه، ووهبنا له ذرية صالحة، وكل منهما له خصوصية عظيمة، أما نوح : فإن الله تعالى لما أغرق أهل الأرض إلا من آمن به، وهم الذين صحبوه في السفينة، جعل الله ذريته هم الباقين، فالناس كلهم من ذرية نوح، وأما [٢] الخليل إبراهيم : لم يبعث الله ﷿ بعده نبيًّا إلا من ذريته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)[مريم: ٥٨].

وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ أي: وهدينا من ذريته ﴿دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ الآية، وعود الضمير إلى نوح؛ لأنه أقرب المذكورين ظاهر [لا إشكال فيه، وهو اختيار ابن جرير] [٣]، وعوده إلى إبراهيم؛ لأنه الذي سيق [٤] الكلام من أجله حسن، لكن يشكل على ذلك لوط؛ فإنه ليس من ذرية إبراهيم، بل هو ابن أخيه [٥] ماران بن آزر، اللَّهم إلا أن يقال إنه دخل في الذرية تغليبًا، كما في قوله: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فإسماعيل عمه ودخل في آبائه تغليبًا.

[وكما قال في قوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ فدخل إبليس في أمر الملائكة بالسجود وذُمّ على المخالفة؛ لأنه كان في تشبه بهم، فعومل معاملتهم ودخل معهم تغليبا، وإلا فهو كان من الجن وطبيعته من النار، والملائكة من النور] [٦].


[١]- في ز: "تقر".
[٢]- في خ، ز: "وكذلك".
[٣]- ما بين المعكوفتين في ز: "وهو اختيار ابن جير، ولا إشكال عليه".
[٤]- في ز: "سبق".
[٥]- سقط من: خ، ز.
[٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.