وقيل: بل هي على بابها، أي: نريه ذلك ليكون عالمًا وموقنًا.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أي: تغثساه وستره ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾ أي: نجمًا ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ﴾ أي: غاب، قال محمَّد بن إسحاق بن يسار: الأفول الذهاب. وقال ابن جرير: يقال: أفل النجم يأفُل ويأفِل أفولًا وأفلًا إذا غاب، ومنه قول ذي الرمة:
مَصَابِيحُ لَيْسَتْ باللَّوِاتِي تَقُودُها … نجومٌ [١] ولا بالآفِلَات الدَّوَالِكِ
ويقال: أين أفلت عنا؟ بمعنى [٢]: أين غبت عنا. قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ قال قتادة: علم أيضًا ربه دائم لا يزول، ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا﴾ أي: طالعًا ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ أي: هذا المنير الطالع ربي ﴿هَذَا أَكْبَرُ﴾ أي: جرمًا من النجم ومن القمر وأكثر إضاءة ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾ أي: غابت ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ أي: أخلصت ديني [][٣] وأفردت عبادتي ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق ﴿حَنِيفًا﴾ أي: في حال كوني حنيفًا، أي: مائلًا عن الشرك إلى التوحيد، ولهذا قال: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وقد اختلف المفسرون في هذا المقام؛ هل هو مقام كظر أو مناظرة؟ فروى ابن جرير (١٤٢): من طريق على بن أبي طلحة، عن ابن عباس ما يقتضي أنه مقام نظر، واختاره ابن جرءس مستدلًّا بقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي [لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ][٤]﴾.
وقال محمَّد بن إسحاق (١٤٣): قال ذلك حين خرج من السَّرَب الذي ولدته فيه أمه، حين تخوفت عليه [من نمرود][٥] بن كنعان، لما كان [٦] قد أخبر بوجود [٧] مولود يكون ذهاب ملكه على يديه، فأمر بقتل الغلمان عامئذ، فلما حملت أم إبراهيم به وحان وضعها، ذهبت به إلى سرب ظاهر البلد، فولدت فيه إبراهيم وتركته هناك. ذكر أشياء من خوارق العادات، كما ذكرها غيره من المفسرين من السلف والخلف.
والحق: أن إبراهيم ﵊ كان في هذا المقام مناظرًا لقومه، مبينًا لهم
(١٤٢) - ابن جرير في تفسيره (١١/ ١٣٤٦٢). (١٤٣) - أخرجه ابن جرير أيضًا (١١/ ١٣٤٦٤).