المجادلة والعناد ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ أي: التي يحتاج المخاطبون إلى بيانها ﴿وَلِتَسْتَبِينَ [١] سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: ولتظهر طريق المجرمين المخالفين للرسل، وقرئ (وليستبين [٢] سبيلَ المجرمين)[٣] أي: وليستبين [٤] يا محمد أو يا مخاطب سبيل المجرمين.
وقوله: ﴿قُلْ [٥] إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي: على بصيرة من شريعة الله التى أوحاها الله [٦] إلى ﴿وَكَذَّبْتُمْ﴾ أي: بالحق الذي جاءني من الله ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ أي: من العذاب ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ أي: إنما يرجع أمر ذلك إلى الله، إن شاء عجل لكم ما سألتموه من ذلك، وإن شاء أنظركم وأجلكم، لما له في ذلك من الحكمة العظيمة، ولهذا قال: ﴿[إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ][٧] يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ أي: وهو خير من فصل القضايا، وخير الفاتحين الحاكمين بين عباده.
وقوله: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: لو كان مرجع ما تستعجلونه [٨] به إليَّ لأوقعت بكم ما تستحقونه من ذلك ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾.
فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية وبين ما ثبت في الصحيحين (٧٤) من طريق ابن وَهْب، عن يونس، عني الزُّهْريّ، عن عروة، عن عائشة، أنَّها قالت لرسول الله ﷺ: يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشدُّ من يوم أحد؟ فقال:"لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلَّا بقَرْن الثَّعَالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسَحَابَةٍ قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل ﵇، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردُّوا عليك، وقد بعث إليك مَلَكَ الجِبال لتأمُرَهُ بما شئت فيهم. قال: فناداني ملك الجبال وسلَّم عليَّ، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين ". فقال رسول الله ﷺ: "بل أرجو أن يُخْرِجَ الله من أصلابهم من
(٧٤) - أخرجه البخاري، كتاب: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم: "آمين" (٣٢٣١)، ومسلم: كتاب: الجهاد والسير، باب: ما لقي النبي ﷺ من أذى المشركين والمنافقين (١١١) (١٧٩٥).