للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

غالب من اتبعه في أول بعثته [١] ضعفاء الناس؛ من الرجال والنساء والعبيد والإِماء، ولم يتبعه من الأشراف إلا قليل، كما قال قوم نوح لنوح: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ الآية. وكما قال [٢] هرقل ملك الروم لأبي سفيان حين سأله [عن تلك] [٣] المسائل، فقال له: [فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟] [٤] فقال [٥]: بل ضعفاؤهم. فقال: هم أتباع الرسل (٦٠).

والغرض أن مشركي قريش كانوا يسخرون بمن آمن من ضعفائهم، ويعذبون من يقدرون عليه منهم، وكانوا يقولون: أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أي: ما كان الله ليهدي هؤلاء إلى الخير لو كان ما صاروا إليه خيرًا ويدعنا، كقولهم: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾.

قال الله تعالى في جواب ذلك: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾، وقال في جوابهم حين قالوا: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ أي: أليس هو أعلم بالشاكرين له؛ بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم، فيوفقهم ويهديهُم سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور [بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم] [٦]، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وفي الحديث الصحيح (٦١): " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".


(٦٠) - أخرجه البخاري (رقم ٧) ومسلم كتاب: الجهاد والسير، باب: كتاب النبي إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام (٧٤) (١٧٧٣)، وأحمد (١/ ٢٦٢) من حديث ابن عبَّاس الطويل، وأخرجه مختصرًا أَبو داود (٥١٣٦) والتِّرمِذي (٢٧١٨).
(٦١) - أخرجه مسلم، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره … (٣٤) (٢٥٦٤) وابن ماجة، كتاب: الزهد، باب: القناعة (٤١٤٣) وأحمد (٢/ ٢٨٤ - ٢٨٥، ٥٣٩) من حديث أبي هريرة مرفوعًا لكن بلفظ: "إن اللَّه لا ينظر إلى صُوَركُم وأموالكم … ".