والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ فذلك قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ فآيات الله محمد ﷺ.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ هذه تسلية للنبي ﷺ، وتعزية له فيمن كذبه من قومه، وأمر له بالصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، ووعد [١] له بالنصر كما نصروا، بالظفر حتَّى [٢] كانت لهم العاقبة، بعد ما نالهم من التكذيب من قومهم والأذى البليغ، ثم جاءهم النصر فى الدنيا كما لهم النصر في الآخرة، ولهذا قال: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [٣]: التي كتبها بالنصر [٤] في الدنيا والآخرة لعباده المؤمنين، كما قال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: من خبرهم كيف نصروا، وأيدوا على من كذبهم من قومهم، فلك فيهم أسوة وبهم قدوة.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾: إن كان شق عليك إعراضهم عنك ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾ قال على بن أبي طلحة (٣٨)، عن ابن عبَّاس: النفق: السّرْب، فتذهب فيه فتأتيهم بآية، أو تجعل لك [٥] سلما في السماء، فتصعد فيه فتأتيهم بآية أفضل مما أتيتهم به فافعل.
وكذا قال قَتَادة والسدي وغيرهما.
وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا [أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ][٦]﴾، قال على بن أبي طلحة (٣٩)، عن ابن عبَّاس: في قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ
(٣٨) - أخرجه ابن جرير (١١/ ١٣٢٠١) وأخرجه أيضًا (١١/ ١٣٢٠٤) وابن أبي حاتم (٤٥/ ٧٢٤) من طريق ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس به وعطاء الخراساني لم يسمع من ابن عبَّاس، وزاد نسبته السيوطى في "الدر المنثور" (٣/ ١٩) إلى ابن المنذر والبيهقى في "الأسماء والصفات". (٣٩) - أخرجه ابن أبي حاتم (٤/ ٧٢٥٠).