وقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ أي: إن أظهرتموها فنعم شيء هي.
وقوله: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾ فيه دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها، لأنه أبعد عن الرياء، إلَّا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة، من اقتداء الناس به، فيكون أفضل من هذه الحيثية. وقال رسول الله ﷺ:"الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة"(١٦٤١).
والأصل أن الإِسرار أفضل لهذه الآية، ولما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلَّا ظله؛ إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتَّى يرجع إليه، [ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه][١] ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه"(١٦٤٢).
وقال الإِمام أحمد (١٦٤٣): حدَّثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العرام بن حوشب، عن سليمان بن أبي سليمان، عن أَنس بن مالك، عن النبي ﵌، قال: "لما خلق الله الأرض جعلت تميد، فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت، فتعجبت الملائكة من خلق الجبال، فقالت: يارب؛ هل [٢] في خلقك شيء أشد من الجبال؟ قالا: نعم الحديد. قالت: يارب، فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال: نعم النار. قالت: يارب؛ فهل من خلقك شيء أشد من النار؟ قال: نعم الماء. قالت: يارب؛ فهل من خلقك شيء أشد من الماء؟ قال: نعم، الريح. قالت: يارب، فهل من خلقك شيء أشد من
(١٦٤١) - رواه أحمد في السند (٤/ ١٥١) (١٧٤١٧)، وأَبو داود في الصلاة حديث (١٣٣٣). والتِّرمِذي في فضائل القرآن: حديث (٢٩١٩). والنسائي في كتاب قيام الليل وتطوع والنهار، باب: فضل السر على الجهر (٣/ ١٢٥) (٥/ ٨٠). وأخرجه الطبراني في الكبير (١٧/ ٣٣٤) حديث (٩٢٣)، (٩٢٤). من حديث عقبة بن عامر ﵁ وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب". (١٦٤٢) - صحيح البخاري برقم (١٤٢٣، ٦٦٠)، وصحيح مسلم برقم (١٠٣١). (١٦٤٣) - المسند (٣/ ١٢٤).