قال مجاهد: وملك الدنيا مشارقها، ومغاربها أربعة: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان: سليمان بن داود، وذو القرنين. والكافران: نمروذ وبختنصر، والله أعلم.
ومعنى قوله ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي: بقلبك يا محمد ﴿إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ أي: وجود ربه. وذلك أنه أنكر أن يكون ثَمَّ إله غيره، كما قال بعده فرعون لملئه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ﴾ وما حمله على هذا الطغيان والكفر الغليظ والمعاندة الشديدة إلا تجبرُهُ، وطول مدته في الملك، وذلك أنه يقال: إنه مكث أربعمائة سنة في ملكه، ولهذا قال: ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ وكأنه طلب من إبراهيم دليلًا على وجود الرب الذي يدعو إليه، فقال إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: إنما [١] الدليل على وجوده حدوث هذه الأشياء المشاهدة بعد عدمها، وعدمها بعد وجودها، وهذا دليل على وجود الفاعل المختار ضرورة، لأنها لم تحدث بنفسها، فلا بد لها من موجد أوجدها، وهو الرب الذي أدعو إلى عبادته وحده لا شريك له. فعند ذلك قال المحاج -وهو النمروذ-: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾.
قال قتادة، ومحمد بن إسحاق، والسدي، وغير واحد: وذلك أني أوتى بالرجلين قد استحقا القتل، فآمر بقتل أحدهما فيقتل، وآمر [٢] بالعفو عن الآخر فلا يقتل. فذلك معنى الإِحياء والإِماتة.
والظاهر -والله أعلم- أنه ما أراد هذا، لأنه ليس جوابًا لما قال إبراهيم، ولا في معناه، لأنه غير [٣] مانع لوجود الصانع، وإنما أراد أن يدعي لنفسه هذا المقام، عنادًا ومكابرة، ويوهم أنه الفاعل لذلك، وأنه هو الذي يحيي ويميت، كما اقتدى به فرعون في قوله ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي﴾، ولهذا قال له إبراهيم، لما ادعى هذه المكابرة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ أي: إذا كنت كما تدعي من أنك تحيي وتميت، فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود في خلق ذراته، وتسخير كواكبه وحركاته- فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق، فإن كنت إلهًا كما تدعي [٤] فأت بها من المغرب؟ فلما علم عجزه وانقطاعه، وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام بهت، أي: أخرس فلا يتكلم، وقامت عليه الحجة. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يلهمهم حجة ولا برهانًا، بل حجتهم داحضة عند ربهم، وعليهم غضب، ولهم عذاب شديد.