للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وهذا التنزيل على هذا المعنى أحسن مما ذكره كثير من المنطقيين: أن عدول إبراهيم عن المقام الأوّل إلى المقام الثاني، انتقال من دليل إلى أوضح منه، ومنهم من قد يطلق عبارة رديَّة وليس كما قالوه، بل المقام الأوّل يكون كالمقدمة للثاني. ويبين [١] بطلان ما ادعاه نمروذ في الأوّل والثاني، ولله الحمد والمنة.

وقد ذكر السدي، أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم ونمروذ بعد خروج إبراهيم من النار، ولم يكن اجتمع بالملك إلا في ذلك اليوم، فجرت بينهما هذه المناظرة.

وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم: أن النمروذ كان عنده طعام، وكان الناس يغدون إليه للميرة، فوفد إبراهيم في جملة من وفد للميرة، فكان بينهما هذه المناظرة، ولم يعط إبراهيم من الطعام كما أعطى الناس، بل خرج وليس معه شيء من الطعام، فلما قرب من أهله عمد إلى كثيب من التراب فملأ منه عدليه، وقال: أشغل أهلي عني إذا قدمت إليهم [٢]، فلما قدم وضع رحاله وجاء فاتكأ فنام، فقامت امرأته سارة إلى العدلين فوجدتهما ملآنين طعامًا طيبًا، فعملت [منه] [٣] طعامًا، فلما استيقظ إبراهيم وجد الذي قد أصلحوه. فقال: أنى لكم هذا؟ قالت: من الذي جئت به. فعلم [٤] أنه رزق رزقهموه الله ﷿. قال [٥] زيد بن أسلم: وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار مَلكًا يأمره بالإِيمان بالله، فأبى عليه، ثم دعاه الثانية فأبى، ثم الثالثة فأبى. وقال: اجمع جموعك، وأجمع جموعي. فجمع النمروذ جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس، وأرسل الله عليهم بابا من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس، وسلطها الله عليهم، فأكلت لحومهم ودماءهم، وتركتهم عظامًا بادية، ودخلت واحدة منها في منخري الملك، فمكثت في [منخريه] [٦] أربعمائة سنة، عذبه الله بها، فكان يضرب برأسه بالمرازب في هذه المدة كلها [٧] حتى أهلكه الله بها.

﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاويَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَال أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَال كَمْ لَبِثْتَ قَال لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَال بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ


[١]- في ز: "وتبين"، خ: "ويتبين".
[٢]- في ز: "عليهم".
[٣]- ما بين المعكوفين زيادة من ز.
[٤]- في ز: "فعرف".
[٥]- بياض في ز، خ.
[٦]- في ت: "منخرى الملك".
[٧]- زيادة من: ز، خ.