الدليل الأول: عن عبد الرحمن بن شبل -رضي الله عنه- قال:((نَهَى رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ، وَافْتِرَاشِ السَّبُعِ، وَأَنْ يُوطِنُ الرَّجُلُ الْمَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا يُوطِنُ الْبَعِيرَ)) (٢).
وجه الاستدلال: أن ظاهر النهي يدل على كراهة إيطان الرجل المكان في المسجد مطلقاً، ولو كان المكان فاضلاً أو لحاجة (٣)، وعلة النهي الخوف من الرياء والسمعة (٤).
نُوقش من وجهين: الأول: أن الحديث ضعيف (٥).
أُجيب عنه: أنه تبين في تخريجه أن بعض أئمة الحديث صححه ومنهم من حسّنه.
الثاني: أن النهي عن إيطان الرجل موضعاً من المسجد يلازمه، إنما هو فيما لا فضل فيه ولا حاجة إليه، أما المكان الفاضل: فقد خُص من النهي بحديث سلمة -رضي الله عنه- (٦).
يمكن أن يُجاب عنه بجوابين: الأول: لا يسلم بذلك؛ لأن حديث سلمة في تحري المكان الفاضل من غير إيطان، وفَرْقٌ بين التحري والإيطان (٧).
الثاني: على فرض التسليم: فإن ملازمة المكان المعين في كل حين -ولو كان المكان فاضلاً- مما قد يورِد على المرء الرياء والسمعة، ويُذهب الخشوع.
الدليل الثاني: أن إيطان مكان مخصوص يخل بالخشوع، ولأن العبادة تصير له طبعاً في ذلك الموضع، وتثقل في غيره، والعبادة إذا صارت طبعاً فسبيلها الترك (٨).
(١) يُنظر: الفروع (٣/ ٥٩)، المبدع (٢/ ١٠٢)، كشاف القناع (١/ ٤٩٤). (٢) سبق تخريجه ص: (٢٥٢). (٣) يُنظر: المبدع (٢/ ١٠٢)، نيل الأوطار (٣/ ٢٣٤). (٤) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٥/ ١٦١)، الفروع (٣/ ٦٠). (٥) يُنظر: الفروع (٣/ ٥٩)، كشاف القناع (١/ ٤٩٤). قالوا: لأن في إسناده تميم بن محمود وهو مجهول. (٦) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٤/ ٢٢٦)، الفروع (٣/ ٦٠). وسيأتي حديث سلمة عند ذكر أدلة القول الثاني. (٧) يُنظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٢٧٧). (٨) يُنظر: فتح القدير، للكمال بن الهمام (١/ ٤٢٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ٦٦٢).