قال أبو شامة: وقد كان رسول اللَّه ﷺ يرى عجائب قبل بعثته.
فمن ذلك ما في "صحيح مسلم" عن جابر بن سمرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أُبعث، إني لأعرفه الآن"(١). انتهى كلامه.
وإنما كان رسول اللَّه ﷺ يحب الخلاء والانفراد عن قومه؛ لما يراهم عليه من الضلال المبين من عبادة الأوثان والسجود للأصنام، وقويت محبته للخلوة عند مقاربة إيحاء اللَّه إليه، صلوات اللَّه وسلامه عليه.
وقوله في الحديث:"والتحنث: التعبّد" تفسير بالمعنى، وإلا فحقيقة التحنث من حيث البنية -فيما قاله السهيلي-: الدخول في الحنث. ولكن سمعت ألفاظ قليلة في اللغة معناها: الخروج من ذلك الشيء: كتحنث؛ أي: خرج من الحنث، وتحوب، وتحرج وتأثم. وتهجد: هو ترك الهجود وهو النوم للصلاة، وتنجس وتقذر. أوردها أبو شامة.
قال ابن هشام: والعرب تقول: التحنث والتحنف. يبدلون الفاء من الثاء، كما قالوا: جدّف وجدث، كما قال رؤبة:
لو كان أحجاري من الأجداف.
يريد: الأجداث.
(١) مسلم (٧/ ٥٨ - ٥٩)، وأبو نعيم في "الدلائل" (ص ١٤١)، وله شاهد من حديث علي سيأتي من المؤلف (ص ٩٥).