المستهل لوقع وجهه حياء، أو المطل لأقران من السمعة به رياء، بل هي والله الدواهي النكر، والمذام الضاربة بيدها على فم الشكر، وربما كان الرجل منهما لموافقة خاطره لخاطر صاحبه، وإتيانه في كل واقعة بمناسبه، إذا ارتكب محذورًا يخشى العار، ويخاف به داهية تنصب له بها راية شنار، يقول كأني بفلان عن صاحبه وقد بلغه هذا فقال كذا، فإذا بلغ صاحبه قال مثل ما قال هكذا، متقارضين دهرهما، متغاضيين كحل جفونهما القذى، وكان جرير أعف منه مضجعا، وأرأف إلى الحسنى مرجعا، وكان الفرزدق يقول: ما أحوجني مع فسقي إلى رقة شعره، وكان الفرزدق لا يعدي شعره الفخار، ولا يهدي فكره إلى دقائق الأفكار، وجرير قد حلب أشطره، وجلب جوهره، وجبل في كافور الطروس عنبره، وجعل الروض ديوانه وأجني زهره، وتفنن فيه تفننًا ملك زمامه مقتدرًا، وكمل زمانه به مفتخرًا، واقتاده بحذافيره وارتاده مقبلًا بمعاذيره، وأبرزه في أبهى الصور، وأبهج المحاسن المتلوّة السور، وقد أنصف بينهما من قال:
[من الكامل]
ذهب الفرزدق بالفخار وإنما … حلو القريض ومره الجرير
وقد عدّ له أهل النقد في كل باب من أبواب الشعر ما هو الغاية القصوى التيما بعدها مطمح، ولا يتجاوز حدها تعنّت من يتلمّح. وكان يعدّ من فضله على قرنائه، ووبله المتدفق على إنائه، أنه هاجي ثمانين شاعرًا من أهل زمانه، ما منهم إلا مِدْرَه خصام، ونذرة قوم كأن الثريا علقت في بيوتهم بلا انفصام، ممن يأوي في الحسب إلى ثبج، ويحوي من النسب الصميم ما لو استعاره الليل البهيم لأعاد لؤلؤة بيضاء ذلك السبج وكان أبوه شيخًا قعد به سقوط نفسه، وهبوط روحه أسفًا على فلسه حتى إنه كان يرتضع الشاة بفمه، ولا يأنف من هذه الدنية، ولا ينفي هذه الردية، وجرير مع هذا الأب المضاع، الوضيع في الأوضاع، يصاولهم في كل مصاع، ويطاولهم ذراعًا بذراع، ويكايلهم وربما زادهم في الحشف وسوء الكلية وتطفيف الصاع. ومن شعره المعلّق بالقلوب والأسماع، قوله (١) من قصيدة في هجو الأخطل التغلبي: