للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

خرجت رجله عنها ولو قيد شبر واحد نزلت قدمه وهوى في تلك السبخة وغاص فيها إلى أن يذهب فلا يبين له أثر ولا يعرف له خبر، ورفيقه إلى جانبه يراه وهو نازل ولا يقدر أن ينفعه ولا يمد يده إليه خوفًا أن يغوص معه، وهي مهلك عظيم، سباخ من ملح لآماء فيه، كم خرج فيها عن تلك الجادة إنسان وفرس وجمل فهلك؟! وعلى جنبتي هذه الطريق أعلام منصوبة من الخشب يمنة ويسرة والطريق بينهما، ولولاها لهلكت المارة من الجهال بها.

قال السلالجي: وسمعت أن هذه الأعلام نصبها هناك أبو إبراهيم إسحاق بن غانية الميورقي الثائر على الموحدين بإفريقية (١).

وقال لي الزواوي: وفي هذه الطريق ضرر آخر على السفار، وهو أنه أي من وضع إناء ماء حلو على الأرض صار مرآةً ذعافًا لوقته وساعته، وإنما إذا احتاج المسافر في تلك الطريق أن يضع إناءه يعمل تحته شيئًا يحول بينه وبين الأرض، قال: وطول هذه المسافة أكثر من نصف نهار، مقداره من الطريق الأخرى السالكة في العمران يوم وليلة.

قال الزواوي: وفي وسط هذه الطريق الآخذة في السبخة فرجة يستريح فيها بالقعود السفار. قال: وأنا سلكتها ورأيت هذا كله فيها بالمشاهدة والعيان.

قال السلالجي: نحن جئنا على أطراف هذه السبخة ولم ندخلها خوفًا منها.

وقال الزواوي: والمشهور بين أهل تلك البلاد كلها أن الصحراء التي في جنوب هذه السبخة ما سلكت ولا تسلك ولا يقدر أحد على سلوكها.

وحكي لي السلالجي: أن أهل الجريد يتحدثون فيما بينهم أن رفقة كبيرة وقع أهلها في هذه السبخة فلم يطلع منهم أحد ولاعاد منهم ولا عنهم مخبر.

قال أبو عبد الله السلالجي: ووقفت في تونس على شرح القصيدة الشقراطيسية الشهيرة البديعة وتخميسها وشارحها القاضي الإمام أبو عبد الله محمد بن علي التوزري المصري، ورأيته قد تكلّم في أوائلها عند ذكر ناظم هذه القصيدة وتعرّضه لموطنه ومسقط رأسه، وهي شقراطيس، وهي في غالب ظني - على ما ذكر - من إقليم الجريد.

ثم أخرّ كلامه إلى ذكر توزر ومدحها وأثنى عليها، وذكر هذه السبخة والصحراء التي تليها، وقال: إن مدينة النحاس بما ممايلي هذه السبخة.


(١) قوله: أبو إبراهيم إسحاق بن غانية الميورقي ليس هو الثائر على الموحدين بإفريقية وإنما هما ولداه يحيى وعلي ابني أبي إبراهيم إسحاق المذكور، فلينتبه. (حسني).

<<  <  ج: ص:  >  >>