«الصواب العدول إلى الأعلى، وقد نص عليه الشافعي، وبه صرح الماوردي، والقاضي الحسين، وجماعات»(١)، ثم عدت إلى البيت فتأملتُ فوجدتني المسيء في فهمي، وكلام الرجل فيه لف ونشر، والمعنى: ومهما تعيَّن نوع فلا عدول إلى ما فوقه بطلب المستحق، ولا إلى ما دونه ببذل من عليه الحق إلا بالتراضي، أي: برضا من عليه الحق في الأول، ومن له الحق في الثاني؛ ولذلك كانت عبارة ابن الصباغ في «الشامل»: «فإن أراد العاقلة أن يعطوا دون إبلهم لم يكن لهم ذلك، وكذلك إن أراد ولي الجناية فوق إبلهم لم يكن له إلا أن يتراضوا؛ فإنَّ الحق لهم دون غيرهم».
قلت: وأحسن تعبير عن هذا الفصل (٢) قول صاحب المذهب ﵁: «ولا يُكلّف أحدٌ من العاقلة غير إبله، ولا يُقبل منه دونها»(٣)، انتهى.
فحقك فيما هذه سبيله التروّي المرَّةَ بعد المرَّة، وعدم الإقدام على تخطئة الأئمة أو نسبتهم إلى أدنى قُصُور، والوقوف عند الأدب معهم، فإنَّ لحومهم مسمومة، قد لا يتوقف تأثير سمها على قصد الطاعمين، فلتكن هذه سبيلك في هذا الضرب وأضرابه.
وأما ما ليس منه، بل هو من محتملات الخلاف مع اتحاد المسألة، فذلك على أضرب؛ لأنه إما أن يكون أحد المكانين مذكورًا في مظنته والآخر في غير مظنته، أو كل منهما مذكور في مظنته، أو كل في غير مظنته، والواقع في غير مظنته قد يقع مقصوداً بالذات، وقد يقع استطراداً، وذلك يظهر بتأمل الكلام.
(١) انظر: الحاوي: (١٢/ ٢٢٦، ٢٢٥)، النجم الوهاج: (٨/ ٤٦٥). (٢) كذا في ظ ١، ظ ٢، وفي ص: (العَرْض)، وساقط من ق، وفي بقية النسخ: (الغرض). (٣) انظر: مختصر المزني: (٨/ ٣٥٠).