قال أبو جعفر: ففي هذه الآثار إثبات جواز الصوم في السفر، وأن رسول الله ﷺ إنما كان تركه إياه إبقاء على أصحابه. أفيجوز لأحد أن يقول في ذلك الصوم: إنه لم يكن برّا؟ لا يجوز هذا ولكنه بر. وقد يكون الإفطار أبر منه إذا كان يراد به القوة للقاء العدو الذي أمرهم رسول الله ﷺ بالفطر من أجله. ولهذا المعنى قال لهم النبي ﷺ -والله أعلم-، "ليس من البر الصوم في السفر" على هذا المعنى الذي ذكرنا.
فإن قال قائل: إن فطر رسول الله ﷺ وأمره أصحابه بذلك بعد صومه وصومهم الذي لم يكن ينهاهم عنه. ناسخ الحكم الصوم في السفر أصلا.
قيل له: وما دليلك على ما ذكرت؟ وفي حديث أبي سعيد الخدري -الذي قد ذكرناه في الفصل الذي قبل هذا- أنه كان يصوم مع رسول الله ﷺ في السفر بعد ذلك؟ فدل هذا الحديث على أن الصوم في السفر بعد إفطار النبي ﷺ المذكور في هذه الآثار مباح.
وقد قال ابن عباس ﵄ وهو أحد من روي عنه في إفطار النبي ﷺ ما ذكرنا ما
= وأخرجه ابن خزيمة (٢٠٣٨) من طريق أبي عاصم به. وأخرجه ابن سعد ٢/ ١٣٨، وأحمد (١١٢٤٢)، والترمذي (١٦٨٤)، وابن حبان (٤٧٤٢)، والبيهقي ٤/ ٢٤٢ من طرق عن سعيد بن عبد العزيز به.