ثم أخبر تعالى عمن كفر به واستمرّ به الحال إلى مماته بأن ﴿عَلَيهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: في اللعنة التابعة [١]، لهم إلى يوم القيامة، ثم المصاحبة لهم في نار جهنم التي ﴿لا يخفف عنهم العذاب﴾ فيها، أي: لا [٢] ينقص عما هم فيه ﴿ولا هم ينظرون﴾ أي: لا يغير عنهم ساعة واحدة، ولا يفتر بل هو متواصل دائم، فنعوذ بالله من ذلك.
وقال أبو العالية وقتادة: إن الكافر يوقف ورم القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه [٣] الناس أجمعون.
[فصل
لا خلاف في جواز لعن الكفار، وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ ومن بعده من الأئمة يلعنون الكفرة في القنوت وغيره، فأمّا الكافر المعين فقد ذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يلعن؛ لأنا لا ندري بما يختم الله له، واستدل بعضهم بالآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. وقالت طائفة أخرى: بل يجوز لعن الكافر المعين. واختاره الفقيه أبو بكر بن العربي المالكي. ولكنه احتج بحديث فيه ضعف، واستدل غيره لقوله ﵇ في قصة الذي كان يؤتى به سكران، فيحدّه، فقال رجل: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به! فقال رسول الله ﷺ:"لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله"(٩١٤)، فدل على أنّ من لا حب الله ورسوله يلعن، والله أعلم] [٤].
﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾
يخبر تعالى عن تفرّده بالإلهية، وأنه لا شريك له، ولا عديل له، بل هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا إله إلا هو وأنه الرحمن الرحيم. وقد تقدّم تفسير هذين الاسمين في أوّل الفاتحة [٥]، وفي الحديث عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن، عن رسول الله
(٩١٤) - رواه البخاري في صحيحه، كتاب الحدود، باب: ما يكره من لكن شارب الخمر، وإنه ليس بخارج من الملة برقم (٦٧٨٠) من حديث عمر ﵁.