تعالى اختار له التوجه إلى بيت المقدس أوّلًا لما له تعالى في ذلك من الحكمة، فأطاع ربه تعالى في ذلك، ثم صرفه إلى قبلة إبراهيم وهي الكعبة، فامتثل أمر الله في ذلك أيضًا، فهو - صلوات الله وسلامه عليه - مطيع لله في جميع أحواله، لا يخرج عن أمر الله طرفة معين، وأمَّته تبع له.
وقوله: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ أي: لا تخشوا شبه الظمة المتعنتين، وأفردوا الخشية لي، فإنه تعالى هو أهل أن يخشى منه.
وقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيكُمْ﴾ عطف على ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيكُمْ حُجَّةٌ﴾ أي [١]: ولأتم نعمتي عليكم فيما شرعت [٢] لكم من استقبال الكعبة، لتكمل لكم الشريعة من جميع وجوهها ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي: إلى ما ضلت عنه الأم هديناكم إليه وخصصناكم به، ولهذا كانت هذه الأمة أشرف الأم وأفضلها.
يذّكر تعالى عباده المؤمنين ما أنعم به عليهم من بعثة الرسول محمد ﷺ إليهم، يتلو عليهم آيات الله مبينات، ويزكيهم، أي يطهرهم من رذائل الأخلاق، ودنس النفوس، وأفعال الجاهلية، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويعلمهم الكتاب: وهو [٣] القرآن، والحكمة: وهي السنة، ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون. فكانوا في الجاهلية الجهلاء يسفهون بالقول الفَرى [٤]، فانتقلوا ببركة رسالته، ويمن سفارته، إلى حال الأولياء، وسجايا العلماء، فصاروا أعمق الناس علمًا، وأبرَّهم قلوبًا، وأقلهم [٥] تكلفًا، وأصدقهم [٦] لهجة، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا [مِنْ أَنْفُسِهِمْ][٧] يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ الآية. وذمَّ من لم يعرف قدر هذه النعمة، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾.
قال ابن عبَّاس: يعني [بنعمة الله][٨] محمدًا ﷺ، ولهذا ندب الله المؤمنين
[١]- سقط من: ز، خ. [٢]- في ز، خ: "شرعته". [٣]- في خ: "وهي". [٤]- في خ: "الفراء". [٥]- في ز، خ: "وأقلها". [٦]- في ز، خ: "وأصدقها". [٧]- في ز، خ: منهم. [٨]- سقط من: ز، خ.